حميد غونو: إغضب... إغرق

حميد غونو: إغضب... إغرق حميد غونو

بينما المغرب يعيش على إيقاع فيضاناتٍ عارمة، تجندت لها الدولة بكل أجهزتها، مدنية وعسكرية، في سباق  مع الماء لحماية الإنسان والبهيمة، كان المشهد الوطني يكتب واحدة  من صفحاته المضيئة، من خلال  تدخلات بطولية، وتضامن شعبي،  لاقى إشادة  شعبية وطنية،  ودولية  بفعالية دولة لا تعجزها التحديات حين يتعلق الأمر بأرواح مواطنيها.
في خضم هذا الامتحان الطبيعي القاسي، اختارت الطبيعة أن تختبرنا، واختار بعض الجيران أن يستفزونا.
مناوشات واستفزازات  الجيش الجزائري، الذي اعتاد تشغيل  اسطوانة ضبط المجالات الحدودية لا تنتهي، حيث أقدمت عناصر منه، يوم الاربعاء الماضي على تسييج " الحدود المغربية- الجزائرية" على مستوى قرية إيش بإقليم فگيگ , وذلك بوضع علامات حجرية بيضاء، دون مراعات،  لحرمة بساتين الفلاحين المغاربة، استفزاز أعاد إلى الذاكرة جرح منطقة العرجة القديم، بل ذكر  المغاربة كذلك  بأن بعض العقليات لا تزال تقتات على فتات الماضي، وتستحضر حرب الرمال كلما غاصت في رمال الحاضر، لهذا عمدت هذه العناصر إلى إطلاق الرصاص في الهواء، فيما يشبه الإنتشاء والإحتفال بنصر في معركة وجودية.  
وكأن هذا لا يكفي، وفي توقيت  لا يخلو من عبث ثقيل الظل.في نفس أسبوع الفيضانات، اختارت حركة التوحيد والإصلاح أن تخرج إلى الشارع في إطار ما سمته “برنامج الغضب”، مظاهرات تقول إنها من أجل فلسطين، في وقتٍ كان فيه المغاربة منشغلين بإنقاذ بيوتهم، وأطفالهم، وذكرياتهم من الغرق.
أي غضب هذا ؟، وأي توقيت هذا ؟، وأي بوصلة  سياسية تشير إلى فلسطين بينما الأقدام تغوص في الماء والطين ؟.
الغريب، بل المفارقة الساخرة، أن كل هذا يحدث في بلدٍ، يعترف الفلسطينيون أنفسهم بتضامنه المطلق مع قضيتهم، ووقوفه الثابت معهم، ودعمه الموصول لهم ولحقوقهم في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية. وهو البلد الذي  يترأس ملكه محمد السادس لجنة القدس، ويشرف بشكل مباشر على وكالة بيت مال القدس، الٱلية الميدانية  الحقيقية، لا الافتراضية للدعم المتواصل للمقدسيين، ولعموم الفلسطينين من خلال مختلف المساعدات والمشاريع، وبتمويل مغربي خالص، بلا ضجيج ولا شعارات موسمية.
ما قامت به حركة التوحيد والإصلاح ليس دعما لفلسطين، بل نكران لجهود شعبية ورسمية  مشهودة ، وتبخيس  لمجهودات دولة  اختارت الفعل بدل الهتاف.
وهو غضب في جوهره، استثمار  سياسي وانتخابي فج، لصالح حزب هذه الحركة ، الذي لم يجد بعد خروجه من دائرة القرار سوى القضية الفلسطينية   ليعيد بها تدوير نفسه، كسلعة سياسية تستعمل عند الحاجة،  أو ربما في إطار سباق محموم  مع غريم الحركة  اللذوذ جماعة العدل والإحسان، على استعمال قضية عادلة لإثبات الذات. وكلنا يتذكر احتدام المنافسة بين الحركة والجماعة حول حصرية استعمال القضية الفلسطينية بشوارع المغرب،  عندما اتهمت هذه الأخيرة الحركة،  في إحدى تظاهراتها  بالتطبيع  فردت عليها حركة التوحيد والإصلاح  بتنظيم مسيرة داعمة لفلسطين يوم عيد الفطر، شهر أبريل الماضي. 
برنامج الغضب،  الذي دعت للتعبير عنه الحركة يحتاج بدوره إلى تعريف وتحديد، إذ  كيف لايكثرت لحال المغاربة وهم يتعرضون للإبتلاءات، فما معنى دعوة الناس لأن يمشوا في مسيرات، ومياه الفياضانات تصل إلى الأذقان، إلا أن تنطبق على من دعا إلى هذا السلوك السوريالي الآية الكريمة "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون". 
إن أسلوب الخطابات من الخلف، والشعارات من بعيد، والدموع التي تسكب أمام الكاميرات، بينما الدولة وحدها في الميدان، لم يعد ينطل على عاقل. لقد صدق  محمود درويش في  قصيدته مديح الظل العالي، وهو يصف سلوكا مشابها لمواقف دول عربية من فلسطين أثناء حصار بيروت،  عندما قال :
     "أدعو لأندلس إن حوصرت حلب".
أما عند بعض السياسيين، هنا،  فيستدعى الأقصى وفلسطين  كلما حوصرت صناديق الاقتراع وأفزعت. لأن السياسة حين تفقد أخلاقها، تفعل أي شيء للبقاء، تتاجر في الدين، وتستثمر في المآسي، وقائمة سلوكها المنحرف طويلة.  درجة أن تستعمل القضايا العادلة كقوارب نجاة شخصية.
حركة التوحيد والإصلاح، تريد اليوم أن تختبئ خلف فلسطين، هرباً من غرق دعوي  أو سياسي محتمل، في وقتٍ كان فيه المواطنون يقاومون غرقا حقيقيا، ولايبحثون إلا عن الدولة، عن الجرافة، عن الجندي، عن اليد التي تنقذ، لا التي تدين أو تغضب.
فبين من يحتمي بالشعار، ومن يحتمي بالمؤسسة، يتضح الفارق، كمن بين من يسبح في الخطاب ومن ينزل إلى الماء. ولله في خلقه شؤون .