نعيمة بنعبد العالي
في دهاليز الحكاية الشعبية والأغاني التراثية، حيث يلتقي الواقع بالخيال، وصرخات القلب بالرمز، تُخلّد المرأة سيرتها بأحرف غير مرئية. إنها لا تُدوّن مذكراتها في صحائف مكشوفة، بل تنقشها في نسيج السرد الجماعي: في حكايات الساحرات والغيلان، في أنات الأغاني، وفي حِكَم الأمثال المتوارثة. هنا، ليس الصمت غيابًا للصوت، بل هو تحويل له إلى لغة أخرى؛ لغة مواربة وذكية، تتجنب المواجهة المباشرة مع سلطة الطابوهات الاجتماعية، لتخلق مسارًا متوازيًا للتعبير والوجود. فهل يمكننا أن نقرأ التراث الشعبي النسائي، ليس كمجرد تسلية أو وعظ، بل كـ "سيرة ذاتية جماعية مشفرة"؟ هذا المقال يحاول اقتفاء أثر هذه "الذاتية المائلة"، حيث تتحول المرأة من موضوع للحكاية إلى ذاتٍ راوية، تختبئ خلف أقنعة العجائبي والرمزي، لتحكي عن رغباتها، مخاوفها، حيلها للبقاء، وطموحها نحو فُسحة من الحرية. سننطلق في رحلة تحليلية نكشف فيها كيف تحولت شخصيات مثل "دليلة" و"الغولة" إلى مرايا مقعرة تعكس تجارب النساء، وكيف تحمل الأغنية الحزينة والأمثال الساخرة بين طياتها أرشيفًا كاملاً للمشاعر والاستراتيجيات النسائية في مواجهة الحياة. يمكن اعتبار الحكايات والأغاني والأمثال الشعبية شكلاً من أشكال السيرة الذاتية الجماعية للمرأة، حيث تنسج من خلالها تجاربها، مخاوفها، طموحاتها، وحيلها للبقاء والتأقلم في مجتمع تغلب عليه الذكورية.
إذا فتحنا كتب التاريخ الرسمية بحثاً عن المرأة، قد نشعر بخيبة أمل. سنجدها هناك كظل باهت، كاسم على هامش قصة رجل عظيم، أو زوجة خليفة جميلة. لكن، هل يعني هذا أن نصف المجتمع عاش صامتاً عبر القرون؟
بالطبع لا. فالمرأة، حين مُنعت من تدوين تاريخها بالحبر، كتبته بصوتها. نسجته في حكايات الجدات المشوقة، وغنّته في مواويل حزينة فوق حجر الرحى، وخبّأته كلغز ذكي في طيات مثل شعبي. هذا التراث الشفوي ليس مجرد فولكلور مسلٍ، بل هو الأرشيف السري، والسيرة الذاتية الجماعية التي روت فيها المرأة كل شيء: ذكاءها الخارق في شخصية شهرزاد، حيلتها للنجاة في دهاء دليلة المحتالة، ألمها في أغنية "الشيباني"، وحتى قوتها المخيفة في صورة الساحرة التي أرعبت الرجال.
في هذا النص، سنقوم بفتح هذا الأرشيف المسموع، لننصت إلى القصة كما روتها المرأة بنفسها، ونكتشف أن صوتها لم يكن صامتاً أبداً، بل كان دائماً هناك، ينتظر فقط من يقرر أن يسمعه.
الآلية الأدبية:
آلية الوسيط: لماذا الحيوان؟ لماذا الجنية؟ لماذا الشخصية التاريخية / الأسطورية؟ هذه الآلية تسمح بـ:
_ النفي: "أنا لا أتحدث عن نفسي، بل عن 'واحدة كانت'".
_ التعميم: تحويل الخاص إلى عام.
_ التمرير: تمرير نقد اجتماعي تحت ستار التسلية.
المعنى والوظيفة
لماذا كان هذا ضروريًا؟ عدة وظائف:
_ وظيفة نفسية: تفريغ الكبت، وهم السيطرة.
_ وظيفة اجتماعية: خلق تضامن نسائي خفي، نقل الحكمة والخبرة.
_وظيفة نضالية: مقاومة صامتة، وخلق مساحة للتمرد في المخيلة حيث يستحيل في الواقع.
هذه "الذاتية المائلة" كانت مصدر قوة، وليس فقط تعبيرًا عن ضعف.
شهرزاد: الحكاية كسلاح للبقاء والتعبير عن الذات
شهرزاد ليست مجرد راوية، بل هي تجسيد لذكاء المرأة وقدرتها على تحويل وضع من الخضوع والتهديد بالموت إلى سيطرة ونفوذ.
شهرزاد لا تحكي قصة حياتها الشخصية، لكنها تستخدم الحكايات كقناع. من خلال قصص النساء الخائنات، والرجال المخدوعين، والجن، والساحرات، هي في الحقيقة تحلل وتعالج الصدمة التي يعيشها شهريار (والتي تمثل السلطة الذكورية) وتُظهر له تعقيدات النفس البشرية.
قوة شهرزاد تكمن في ثقافتها ومعرفتها الواسعة. هي لم تواجه السيف بسيف مثله، بل بسلاح العقل والخيال والسرد. بهذا، هي لا تنقذ نفسها فقط، بل "تعيد تأهيل" شهريار وتحوله من طاغية إلى حاكم عادل، وفي ذلك رمز لقدرة المرأة على التأثير وتغيير المجتمع.
يرى بعض المحللين أن شهرزاد تمثل "لغز" المرأة الذي يحاول الرجل (شهريار) فهمه. غموضها ليس ضعفاً، بل هو مصدر قوتها الذي يبقيه مشدوداً إليها، راغباً في المزيد.
شهرزاد ودورها كمعالِجة نفسية:
مثال: في الليالي الأولى، تروي شهرزاد "حكاية التاجر مع العفريت". في هذه الحكاية، يرتكب التاجر خطأً فادحاً دون قصد (قتل ابن العفريت)، ويحكم عليه العفريت بالموت. لكن ثلاثة شيوخ يظهرون ويقنعون العفريت بالعفو عن التاجر مقابل أن يحكي كل منهم حكايته العجيبة.
هذه الحكاية ليست مجرد قصة مشوقة. إنها رسالة مباشرة إلى شهريار. شهرزاد تقول له: "مثل هذا العفريت، أنت غاضب وتريد الانتقام بسبب خيانة زوجتك. لكن كما أن هناك مجالاً للعفو والقصة والحكمة لتغيير قدر التاجر، هناك مجال لك لتتغير أيضاً". هي لا تبرر الخيانة، بل تفتح الباب أمام فهم أعمق للخطأ والعفو والعدالة.
أقنعة القوة - دليلة، الساحرة، والغولة
إذا كانت شهرزاد هي الواجهة الدبلوماسية للمرأة، فإن هناك شخصيات أخرى تعيش في الظل، في الأزقة الخلفية للحكاية الشعبية. هذه الشخصيات لا تلعب وفقاً للقواعد، ولا تملك الوقت للمجاملات. إنها دليلة المحتالة، والساحرة، وحتى الغولة المخيفة. قد تبدو للوهلة الأولى "شريرة" أو "هامشية"، لكنها في الحقيقة ليست سوى أقنعة ترتديها القوة الأنثوية عندما لا تجد لها مكاناً تحت الشمس.
دليلة المحتالة (ألف ليلة): حين تصبح السرقة فعلاً من أفعال العدالة
دليلة المحتالة لصّة. لكنها ليست أية لصّة، إنها فنانة في مجالها. في عالم بغداد الذي تحكمه سلطة ذكورية فاسدة، حيث الوالي وأعوانه ورئيس الشرطة يجمعون الثروات، لا تملك دليلة جيشاً أو منصباً. سلاحها الوحيد هو عقلها الذي يلمع. هي لا تسرق الفقراء، بل تختار ضحاياها بعناية: الأقوياء المتغطرسين الذين يظنون أنهم أذكى من الجميع.
كل عملية نصب تقوم بها دليلة هي بمثابة مسرحية هزلية، تسخر فيها من السلطة وتكشف غباءها. إنها تجسيد حي لنظرية "صوت المقموع"؛ فعندما لا يمنحك النظام حقك، فأنت تأخذه بنفسك، وبقليل من الأناقة والضحك إن أمكن. دليلة لم تكن مجرد محتالة، بل كانت بطلة شعبية، امرأة من عامة الشعب أثبتت أن الدهاء يمكن أن يهزم السيف والصولجان.
امرأة تعتمد على الذكاء والدهاء في مجتمع يقدّر القوة الجسدية (الذكورية).
دليلة لا تستخدم السيف، بل تستخدم الحيلة والتمثيل والتخطيط الدقيق. إنها تتحكم في الرجال عبر فهم نقاط ضعفهم النفسية (الطمع، الغرور، الغريزة). هذا نموذج لـ "القوة المضادة" التي طورتها المرأة لمواجهة هيمنة لا تستطيع مجابهتها جسديًا أو علنياً.
عبر دليلة، تُعَبِّر الحكاية عن:
_ رغبة المرأة في السيطرة الذهنية على مصيرها.
_ نقد ضمني لسذاجة الرجال وضعفهم أمام إغراءاتهم.
_ إعلاء قيمة الذكاء الاجتماعي كسلاح للمهمشين.
كأن الراوية تقول: "نعم، يمكننا أن نكون أذكى، وأن نحرك العالم من خلف الستار ".
دليلة المحتالة تمارس نوعاً من طقوس الانقلاب: حيث تُضعف القوي وتقوي الضعيف مؤقتاً، مما يعيد التوازن الرمزي للمجتمع.
الساحرة: قوة المعرفة التي تثير الرعب
في كل قرية، كانت هناك تلك العجوز التي تعيش على الأطراف، وتعرف أسرار الأعشاب، وتفهم لغة الطبيعة. كانت تولّد النساء، تداوي المرضى، وربما تلقي بعض التعاويذ. هذه المرأة، التي تمتلك معرفة عملية خارجة عن سيطرة الفقيه والطبيب الرجل، كانت مصدراً للقوة، وبالتالي... مصدراً للخوف.
الحكاية الشعبية حولت هذا الخوف إلى شخصية "الساحرة". لم تكن الساحرة شريرة بالفطرة، بل كانت صورتها انعكاساً لقلق المجتمع من المرأة "العالمة" والمستقلة. قوتها ليست خارقة، بل هي معرفة متوارثة عبر الأجيال من النساء. حين يصورها الفولكلور، فهو في الحقيقة يعترف بقوتها، لكنه يغلفها بالغرابة والخوف ليتمكن من السيطرة عليها رمزياً. الساحرة هي الثمن الذي دفعته المرأة الذكية في عصر لم يكن مستعداً لذكائها. الساحرة: في كثير من الحكايات، الساحرة امرأة تمتلك معرفة وقوة خارقة. يمكن أن تكون هذه القوة رمزاً للحكمة والمعرفة التي كانت تُحرّم على النساء، أو قد تكون تعبيراً عن مخاوف المجتمع من المرأة "العالمة" أو المستقلة التي لا تخضع لسلطة الرجل.
الغولة: الوجه الآخر للطبيعة الأم
أما الغولة، فهي قصة مختلفة. إنها تمثل الطبيعة في وجهها البدائي المتوحش، القوة الأنثوية الخام قبل أن يهذبها المجتمع. هي تسكن الكهوف والغابات، وتجسد كل ما هو غامض ومخيف في الأنثى. لكن المثير للاهتمام أن الغولة في كثير من الحكايات ليست شراً مطلقاً. هي غالباً ما تكون "حارسة العتبة"؛ أي أنها تمثل التحدي الأخير الذي يجب على البطل أن يواجهه ليثبت جدارته. وأحياناً، بعد أن ينجح في الاختبار، تتحول الغولة إلى مساعدة وحامية له.
يمكن النظر إليها كـ"الجانب المظلم من الأمومة"، فهي لا تقدم حناناً مجانياً، بل تطلب الشجاعة والاحترام. إنها تذكير بأن القوة الأنثوية، مثل الطبيعة نفسها، يمكن أن تكون مدمرة وخلاقة في آن واحد.
في النهاية، هذه الشخصيات "الهامشية" هي أبطال الظل في سيرة المرأة الذاتية. هنّ القوة التي لم تجد لها اسماً لائقاً، والمعرفة التي وُصمت بالشعوذة، والعدالة التي تحققت بالحيلة. هنّ الدليل على أن المرأة، حتى عندما تُدفع إلى حافة الحكاية، تجد دائماً طريقة لسرقة الأضواء.
هو تعبير غير مباشر وهو تحويل الخوف الداخلي والغضب الدفين إلى كيان خارجي يمكن مواجهته وهزيمته. هذه آلية نفسية للتحكم في المشاعر الصعبة .
السعلوة كـ "سيرة ذاتية مائلة": ماذا تقول المرأة عبر هذه الشخصية؟
من منظور "الذاتية المائلة"، السعلوة هي تعبير مشفر عن حقائق عميقة:
1. الإفصاح عن التمزق الداخلي: "نحن مجبرون على العيش حيوات مزدوجة: واحدة للعالم، وواحدة لأنفسنا."
2. التعبير عن القوة المكبوتة: "داخل كل امرأة هادئة، قوة هائلة تبحث عن منفذ."
3. نقد نظام الثنائيات: النظام الذي يقسم المرأة إلى "ملاك/عاهرة"، "هادئة/شريرة"، "مروضة/متوحشة".
4. التخييل كمخرج: إذا كان الواقع لا يسمح بالحرية، فالخيال يخلق كائناً يملكها.
5. الخوف من الحرية نفسها: التحول قد يكون رعباً، لأنه يعني فقدان الهوية الاجتماعية "المريحة" حتى لو كانت مقيدة.
السعلوة ليست مجرد وحش في الحكايات؛ إنها المرآة المقعرة التي تعكس الصراع الأنثوي بين الامتثال والتحرر. عبر هذه الشخصية، تحكي المرأة عن:
_ اشتياقها لجسد قوي وغير قابل للاختراق.
_ حنينها لحرية الحركة في الفضاءات الممنوعة.
_ غضبها المكبوت الذي يتحول إلى عواء ليلي.
_ توقها لهوية متكاملة لا تحتاج إلى انفصام.
السعلوة هي أسطورة عن التمرد الضروري. حتى وإن كانت مخيفة، فهي تؤكد حقيقة أساسية: الطبيعة البشرية لا يمكن احتواؤها كلياً. الأنوثة، بقوتها وغريزيتها ورغباتها، ستجد طريقة لتظهر، حتى لو اضطرت لارتداء جلد ذئب في ظلام الليل.
هذا التحول المأساوي-الجميل هو شهادة على مرونة الروح الأنثوية التي، عندما تحاصر في النهار، تختلق لنفسها أجنحة (أو قوائم) في الليل.
العواء في "السعلوة": ليس صوت تهديد فقط، بل هو لغة بديلة عن اللغة البشرية المنطوقة. اللغة البشرية قد تكون مقيدة بالأدب والتقاليد، أما العواء فهو تعبير طبيعي، بدائي، وغير مروَّض عن الوجود. إنه صوت الـ "ما قبل اجتماعي" في المرأة. التحول الجسدي: ليس هروباً، بل هو تكتيك للبقاء. إذا كان الجسد الأنثوي موضوعاً للرقابة والتملك في النهار، فإن تحوله إلى جسد حيواني ليلاً هو استعادة ملكيته الذاتية، ولو مؤقتاً.
السعلوة قد تمثل اضطراباً في طقس العبور من الفتاة إلى المرأة (الزواج). التحول هو تعبير عن رفض أو خوف من هذا الدور الجديد.
يمكن أن نقرأها كبنية أوديبية معاكسة
الحكايات الكلاسيكية تقدم بنى سردية على هذا النحو :
البطل (الذكر) يقتل الوحش/الأب ويتزوج الأميرة. في حكاياتنا:
السعلوة: "البطلة" تقتل رمزياً الأنا الاجتماعية المقيدة (تتحرر منها ليلاً) ولكنها لا تستطيع التخلص منها نهائياً (تعود نهاراً). الصراع داخلي، وليس خارجياً.
هذا تعطيل للبنية الأوديبية الذكورية المركزية، وخلق بنى سردية نسائية تعتمد على الشبكات الأفقية والتضامن.
هنا نرى كيف أعادت هذه الحكايات صياغة البنى السردية الكونية من منظور أنثوي مائل.
يتبع
يلي نص حول :
"يوميات مسموعة" - الأغنية والمثل كوثيقة اجتماعية