الروائي أحمد بن شريف ومؤلفه الجديد
صدر في الآونة الأخيرة عن دار النشر اسليكي أخوين بطنجة عمل نقدي للباحث والروائي أحمد بن شريف، موسوم ب"سرديات أنثروبولوجيا الرواية". جاء العمل في 273 صفحة من الحجم الكبير. تتوزعه عناوين جامعة للمادة النقدية التي تمتاح من مرجعيات نظرية ومنهجية وإبستمولوجية قد تبدو للقارئ متباينة، لكنها متجانسة في التقطيع وقراءة النصوص. الأمر الذي يحول دون الوقوع في التباس في الرؤية أو خلط في تسخير أدوت نقدية بعينها. قارب من خلالها الباحث اللحظات الكبرى التي تنهض على قواعدها الكتابة السردية عامة، والروائية خاصة؛ بحيث عمد إلى توزيع المفاهيم النظرية، المؤطرة لصيرورة الأعمال المنقودة أو تلكم التي في حكم المرشح من النصوص المبدعة لعملية التقطيع الأفقي وكذا التنخيل لاستكناه ما استغلق منها من معان ودلالات كبرى، عسى أن يستجيب نداؤها الباطني إلى طبيعة المقاربة النقدية التي باشرها الناقد أحمد بن شريف؛ متوسلا في ذلك ولأجل ذلك بالأدوات النظرية والمنهجية التي تمتاح من معين العلوم الإنسانية؛ المتصلة بمظان النصوص المبدعة التي شكلت موضوع المقاربة النقدية لجملة من النصوص الروائية المغربية.
لعل المنطلقات النظرية التي يمتاح من معينها الناقد أحمد بن شريف منطلقات متصادية مع التحليل النفسي والأنثروبولوجيا وسوى ذلك من الوسائط النظرية والمنهجية التي شكلت باستطالاتها إطارا مقبولا لقراءة النصوص واستخراج ما استغلق فيها من معان ودلالات.
هكذا، يعمد الناقد إلى توزيع مؤلفه توزيعا، يراعى فيه المنهاج والنظرية قبل إخضاع النصوص الروائية لمنطقي القراءة والتأويل؛ بحيث تم تناول المتخيل من قبل الباحث في علاقاته بالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتحليل الأدبي، دون الوقوع في الخلط بين وحدة الموضوع من عدمها. آية ذلك أن الدراسة استقلت بموضوعها في طبيعة مقاربتها؛ إذ أن دراسة المتخيل الروائي ومقاربته وفق الرؤيا التي أطرت سير عمل الناقد تتحدد من خلال المجالات التي يشغلها، وذلك في إطار صيرورات نصية وخطابية، بموازاة مع انسجام بنيته التي تنتظمها عناصر متفاعلة فيما بينها، مشكلة الوحدة/ الإطار.
لهذا وذاك، فإن النصوص المبدعة، تمثل درجة عالية من مستوى الخلق التخييلي، يتم بموجبه استثمار عنصر الخيال باعتباره مادة أساسية في بناء النصوص الأدبية.
في هذا السياق، يحضر تكسير رتابة الزمن في خطيته وجعله يتراجع أمام ما تقدمه الرواية من أزمنة، تمثل وعيا جديدا، يتخطى الوعي في صيغته التاريخية المتداولة.
عرض الباحث أيضا لأهمية الأسطورة وكيفية تعامل الاشتغال الروائي معها؛ أي توظيف الجنس الروائي للخوارق والأساطير وما إلى ذلك من الأنساق ذات الأسس التخييلية.
معتبرا في ذات الوقت أن الشكل الروائي جاء ليعكس بدقة حيوات الشخصية وتقلباتها وأمزجتها ومصائرها بلغة تنسجم والبناء التخييلي للرواية.
لذلك، فإن كل شيء داخل الشكل الروائي يخضع للنمو والتطور حتى تكاد تبدو المواقف القديمة وكأنها وجدت لتوها.
وضمن ما أطلق عليه الناقد الأدبي أحمد بن شريف" الرواية المغربية بين الواقعي والمتخيل"، يرى كيف تحكمت " المواثيق الواقعية" في صوغ الأعمال الروائية فجاءت في صيغ خطابية أوطوبيوغرافية. لكن، ستعرف الرواية المغربية لاحقا تحولات مهمة. الأمر الذي سيجعل الخطاب الروائي أمام أسئلة ملحة، أملت عليه نظرة جديدة. خاصة مع تبلور وعيين نظري ونقدي أفادا الكتابة الروائية المغربية في كثير من الجوانب.
إن النماذج التحليلية التي أوردها الباحث جاءت استجابة لنداء الأسئلة المرتبطة بالمتن الروائي المغربي.
يرى الناقد بأن هناك منحيين نظريين؛ يتوزعان الأفق النظري بالنسبة للدال والمدلول فيما يخص كلا من العلامة والرمز؛ بحيث تتجه القراءة بالنسبة للرمز والوعي الرمزي صوب المدلول بهدف تحطيم بنيانه واستنزاف طاقاته. في مقابل ذلك نجد القراءة التي تعنى بالوعيين الاستبدالي والمركبي على حساب الوعي الرمزي، طالما أنهما يندرجان ضمن الإطار الذي يشغله الدليل، باعتباره مكونا وبعدا في الآن الواحد داخل المقاربة السيميائية.
يلاحظ أن مفهوم المتخيل لدى "جلبير دوران" مثلا؛ يمتاح من التصورات الفلسفية والأنثروبولوجية، لذلك فإن الخطاب الإبداعي بما فيه الخطاب الروائي، حسب الباحث أحمد بن شريف، يعد تنويعا على الأنماط الأصلية العليا، التي يدخل ضمنها الدين والأيديولوجيا والخرافة والأساطير الخ.
بناء على هذا يضيف الباحث فإن مستويات التعبير في الرواية ترجع إلى نوعية اللغة التي تقدم الأحداث والشخوص ثم طبيعة هذه اللغة، وما تعكسه من مضامين وأفكار دون إغفال السؤال الجوهري؛ أي البحث عن الصور والعلائق المتحكمة في فضاء الرواية، باعتبارها جهازا لغويا تخييليا له آلياته وقوانينه؛ بحيث يتدخل لجلومستويات متخيله، والكيفية التي يفترض أنها تشغل عناصر هذا المتخيل .
من هذا المنطلق وغيره، عمد الباحث إلى مساءلة نصوص روائية مغربية نظير "رحيل البحر " و " المباءة" لمحمد عز الدين التازي، معرجا في الآن نفسه على أنموذجين آخرين للروائي والباحث الميلودي شغموم ونعني بهما؛ " الأبله والمنسية وياسمين" و " وعين الفرس" .
أما النص الأساسي الذي وقع عليه اختيار الباحث في دراسته هاته فيعود لصاحبه مبارك ربيع؛ الموسوم ب " بدر زمانه" لما له - حسب الباحث - من مواصفات وموتيفات سردية ؛ بل لما له من وظيفية تحكمت في اختياره للمقاربة والتحليل في ضوء المفاهيم النقدية والمناخ العام الذي تحركت بموجبه الأحداث والوقائع.
تأسيسا على ما سلف، يمكن القول بأن نص " بدر زمانه" مرشح للإجابة عن الأسئلة النقدية الملحة؛ أي كيفية اشتغال المتخيل باعتباره آلية ضخمة، تستقطب آليات أخرى فرعية، لا تخلو من وظيفية عند القراءة النقدية والمقاربة العلمية.