المجلس الوطني لجمعية الشعلة يثمن المسار ويزكي الفعل التنظيمي والتشاركي

المجلس الوطني لجمعية الشعلة يثمن المسار ويزكي الفعل التنظيمي والتشاركي جانب من الجمع

عقدت جمعية الشعلة للتربية والثقافة دورة مجلسها الوطني أيام 6 و7 و8 فبراير 2026 بمركز الاستقبال البشير بمدينة المحمدية، تحت شعار بالغ الدلالة: «تفعيل المقتضيات الدستورية مدخل لتقوية الفعل الجمعوي» وفي لحظة تاريخية تتقاطع فيها الأسئلة الدستورية بالتحولات المجتمعية، ويعاد فيها طرح موقع المجتمع المدني داخل معادلة البناء الديمقراطي وفي سياق وطني ودولي يتسم بتنامي النقاش العمومي حول أدوار المجتمع المدني، وحدود تدخله، وإمكانات إسهامه في تنزيل الاختيارات الدستورية وتعزيز الديمقراطية التشاركية.

 

لم يكن هذا الشعار مجرد عنوان إجرائي لدورة تنظيمية، بل مثل سؤالا مفتوحا حول العلاقة بين النص الدستوري والممارسة الجمعوية، وبين التنصيص القانوني والقدرة الفعلية على التأثير في السياسات العمومية، وهو ما جعل من هذه الدورة محطة تفكير جماعي بقدر ما كانت فضاء للتقرير والتنظيم.

 

انطلقت أشغال الدورة مساء يوم الجمعة باستقبال المشاركات والمشاركين القادمين من مختلف فروع وجهات الجمعية، في أجواء شعلوية عكست غنى التنوع الثقافي والجغرافي الذي يميز الجسم الجمعوي للشعلة حيث التقت التجارب المحلية بالرؤية الوطنية والتجاورت والمرجعيات في وحدة الانتماء إلى مشروع تربوي وثقافي ممتد في لخمسين سنة من الفعل الجاد والهادف لخدمة قضايا و مؤسسات الطفولة و الشباب .

 

وفي الجلسة الافتتاحية الليلية ألقى الأستاذ سعيد العزوزي رئيس جمعية الشعلة للتربية والثقافة كلمة تأطيرية اتسمت بالعمق السياسي والبعد الاستشرافي أكد فيها أن انعقاد دورة المجلس الوطني يأتي في سياق دولي ووطني دقيق يفرض على الفاعل الجمعوي الديمقراطي إعادة التفكير في أدواره ووظائفه وتعزيز حضوره في النقاش العمومي، بعيدا عن منطق التكيف السلبي أو الانكفاء التنظيمي.

 

فعلى المستوى الدولي، توقف رئيس الجمعية عند التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، من أزمات جيوسياسية معقدة، إلى اختلالات اقتصادية واجتماعية بنيوية، مرورا بتراجع مقلق في منسوب القيم الإنسانية وحقوق الإنسان في عدد من السياقات وما يصاحب ذلك من تضييق متزايد على أدوار المجتمع المدني  واعتبر أن هذه التحولات تضع الجمعيات الجادة أمام مسؤولية تاريخية، تفرض تحصين الفعل المدني، وتطوير آليات الاشتغال، والانخراط الواعي في الدفاع عن القيم الكونية، وفي مقدمتها الديمقراطية  الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

 

أما على المستوى الوطني، فقد استحضر رئيس الجمعية، بقلق بالغ ومسؤولية مدنية واضحة، ما تشهده عدد من مناطق المغرب من فيضانات غير مسبوقة نتيجة الاضطرابات المناخية المتسارعة، خاصة بشمال المملكة بمدينة القصر الكبير، وبمناطق الغرب بكل من بلقصيري، وحد كرت الخوافات، وجرف الملحة، إضافة إلى ما شهدته مدينة آسفي. وما خلفته  الأمطار الغزيرة وغير المسبوقة من خسائر مادية ومعاناة إنسانية عميقة. معبرا  عن تضامن جمعية الشعلة للتربية والثقافة المطلق مع كافة المتضررات والمتضررين، مؤكدا أن الفعل الجمعوي الحقيقي يتجلى في لحظات الشدة، حين تتحول القيم إلى ممارسة، والانتماء إلى التزام.

 

كما نوه، باعتزاز كبير، بالدور الإنساني والتطوعي الذي قامت به أطر الجمعية بكل من آسفي وطنجة وتطوان وبلقصيري وحد كورت، من خلال انخراطهم الميداني المسؤول، ومساهمتهم الفاعلة في مواكبة ودعم جهود السلطات المحلية ومختلف القوات المتدخلة، في تعبير عملي عن روح التضامن والتكافل، وتجسيد حي لوظيفة المجتمع المدني كشريك مجتمعي في مواجهة الأزمات والكوارث.

 

وفي سياق آخر أبرز أن المغرب يعيش مرحلة مفصلية في مسار تنزيل مقتضيات دستور 2011، خاصة تلك المرتبطة بالديمقراطية التشاركية، والحوار المدني، وأدوار المجتمع المدني في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية. وأكد أن هذا المسار، رغم ما راكمه من مكتسبات، لا يزال يواجه إكراهات تشريعية ومؤسساتية وممارساتية، مما يستدعي من الفاعلين الجمعويين مزيدا من التنظيم، والتأهيل، والترافع المسؤول.

 

وفي هذا الإطار، شدد رئيس الجمعية على أن اختيار شعار الدورة لا يندرج في خانة الاستهلاك الرمزي، بقدر ما يعكس وعيا جماعيا بضرورة الانتقال من منطق التنصيص الدستوري إلى منطق التفعيل الميداني، وتقوية القدرات التنظيمية والترافعية و الاستقلال المالي للجمعية، بما يمكنها من الاضطلاع بأدوارها التربوية والثقافية والمجتمعية في انسجام مع التحولات الراهنة.

 

وشكلت الجلسة ذاتها محطة مركزية في المسار التداولي للمجلس، حيث قدم التقرير الأدبي من طرف الأخ محمد أبو القاسم، الكاتب العام للجمعية، الذي استعرض من خلاله حصيلة العمل الجمعوي خلال المرحلة المنصرمة، مبرزًا ما راكمته الجمعية من أنشطة وبرامج تربوية وثقافية وتنظيمية على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية، ومتوقفًا عند الدينامية التي تعرفها فروع الجمعية، وتنوع مبادراتها، إلى جانب الإكراهات البنيوية والتنظيمية التي تواجه العمل الجمعوي في سياق متحول، مؤكدًا أن قوة الجمعية تكمن في قدرتها على النقد الذاتي وربط الممارسة بالأفق الاستراتيجي.

 

أما التقرير المالي، فقد قدمه الأخ مصطفى لحويدك، أمين مال الجمعية، حيث بسط أمام المجلس الوطني الوضعية المالية للجمعية في إطار من الشفافية والمسؤولية، مستعرضا مصادر التمويل ومجالات الصرف، ومستوى الالتزام بضوابط الحكامة المالية، بما يعكس حرص الأجهزة المسؤولة على ترسيخ ثقافة التدبير الرشيد وربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

وقد أعقب عرض التقريرين نقاش جاد ومسؤول، توج بالمصادقة عليهما بالإجماع، في تعبير دال عن الثقة الجماعية في أداء الأجهزة الوطنية، وعن وعي مشترك بأن البناء التنظيمي السليم شرط أساسي لنجاعة الفعل المجتمعي.

 

صبيحة يوم السبت، خصصت أشغال المجلس لعرض تقارير الفروع والجهات، التي عكست تنوع المبادرات والأنشطة التربوية والثقافية والشبابية، وكشفت في الآن ذاته عن حجم التحديات التنظيمية واللوجستيكية التي تواجه العمل الجمعوي محليا وجهويا وقد شكلت هذه المرحلة لحظة مصارحة تنظيمية، حيث جرى تشخيص الإكراهات وتبادل التجارب الناجحة، في نقاش اتسم بروح المسؤولية، وأسهم في بلورة ملاحظات وتوصيات تروم تطوير الأداء وتعزيز التنسيق بين مختلف مكونات الجمعية.

 

وفي الحصة الثانية من الفترة الصباحية، قدمت التقارير التكميلية، حيث استعرض الأخ حسن صبوري، عضو المكتب الوطني، تقريرا حول مشاركة فروع الجمعية في بوابة مؤسسات الشباب، مبرزا مستوى التفاعل والرهانات المرتبطة بالتحول الرقمي في تحديث الممارسة الجمعوية. كما قدمت الأخت ليلى عاطر، منسقة شعبة التكوين، تقريرا حول برامج التكوين المنجزة وآفاق تطويرها، فيما تناولت الأخت نجاة أوزينة، منسقة شعبة الشباب، التقرير المتعلق بالجانب الثقافي ورمضان الشعلة الثقافي، مبرزة الأبعاد التربوية والقيمية لهذه المبادرات ودورها في ترسيخ ثقافة المواطنة والانخراط الإيجابي لدى الشباب.

 

وخلال الفترة المسائية، احتضنت الدورة ندوة فكرية وازنة بعنوان «تفعيل المضامين الدستورية مدخل لتفعيل الفعل الجمعوي»، أطرها الأستاذ الدكتور خليل السعدي من مقاربة قانونية، والأستاذ الدكتور حسام هاب من زاوية حقوقية، حيث قدما قراءات معمقة في الإطار الدستوري المؤطر لأدوار المجتمع المدني، وإمكانات الترافع المدني، وحدود الممارسة الجمعوية في ظل التحولات القانونية والمؤسساتية الراهنة، مما أغنى النقاش وعمّق الوعي الجماعي برهانات المرحلة.

 

وفي الحصة الليلية، جرى عرض البرنامج التعاقدي لسنة 2026 ومشروع الميزانية، حيث خضعا لمناقشة مستفيضة ومسؤولة، قبل أن تتم المصادقة عليهما بالإجماع، في دلالة واضحة على انسجام الرؤية ووحدة التوجه داخل المجلس الوطني.

 

واختتمت أشغال الدورة صباح يوم الأحد بصياغة  التوصيات وقراءة البيان الختامي، الذي جددت من خلاله جمعية الشعلة للتربية والثقافة التزامها بمواصلة أدوارها التربوية والثقافية والترافعية، وتعزيز مساهمتها في تفعيل المقتضيات الدستورية ذات الصلة بالمجتمع المدني، بما يخدم قضايا التنمية، ويرسخ قيم المواطنة الفاعلة، ويجعل من الفعل الجمعوي رافعة للتغيير الإيجابي لا مجرد هامش مرافق له.