"نجوت وحدي" لفاطمة الزهراء محفوظ رواية تؤاخي الألم في قلب التجربة الإنسانية

"نجوت وحدي" لفاطمة الزهراء محفوظ رواية تؤاخي الألم في قلب التجربة الإنسانية غلاف الرواية

في سيرتها الروائية "نجوت وحدي"، ترسم الكاتبة فاطمة الزهراء محفوظ حكاية امرأة انكسرت ثم نجت من أوجاع الحياة بتحدّ نادر، الزهراء فتاة حملت ثقل الفقر، اليتم العاطفي، العنف الرمزي وخيبات الحب، ومشت في الوجود المتشظي بلا درع سوى إرادتها الهشّة.. من طفولة قاسية في الهامش وصولا إلى تجربة حب جارح كشف هشاشتها العميقة.. تتشكّل الحكاية كاعتراف طويل عن الحياة بوصفها قدرة على الاستمرار حتى مع الانكسارات القاسية، فلا الحب ينقذ البطلة، ولا العائلة تحميها، بل تُترك لتواجه مصيرها وحزنها لوحدها، وتتعلّم كيف تعيش بندبتها دون أن تجعلها قدرها النهائي.

تنهض الزهراء بعد سلسلة من أنواع القهر والإذلال والخذلان والانسحاق وفجاعة حب جنوني يصفعها.. لأنها اختارت ألا تضيع، فتخرج من الكسر واقفة برغم كل انهياراتها تغني للحياة. ليست "نجوت وحدي" لفاطمة الزهراء محفوظ – الصادرة حديثا عن منشورات النورس- رواية عن الألم بوصفه مادة للشفقة، ولا عن الحب بوصفه خلاصا جاهزا، بل تتمظهر كنصّ إنساني عميق يقترب من مناطق مسكوتٍ عنها في التجربة النسائية العربية، حيث تتقاطع الهشاشة بالقوة، والنجاة بالخذلان، والوعي بندبة لا تُمحى.

تخط الكاتبة سيرتها الروائية عن الزهراء كامرأة عادية وُضعت منذ طفولتها في امتحان قاسٍ مع كل اشكال الحرمان العاطفي وغياب الاحتواء الأسري. تنطلق من طفولة مهمّشة في البادية، حيث يُصاغ الوعي الأول على القسوة والصمت والعمل المبكر، قبل أن تنتقل البطلة إلى فضاءات الدراسة والتكوين، حاملة معها جراحها القديمة وأحلامها البسيطة في حياة كريمة. ومع تقدّم السرد، لا تسير الرواية في خطّ تصاعدي مريح، بقدر ما تغوص أكثر في تعقيدات الذات، لتكشف كيف يمكن للنجاح الاجتماعي والمهني أن يتعايش مع هشاشة داخلية عميقة، وكيف يمكن لامرأة مستقلة ظاهريا أن تقع في فخ علاقة عاطفية مدمّرة، تُعيد إنتاج جراح الطفولة بأقسى الأشكال.

يتحول الحب من تجربة رومانسية حالمة، إلى اختبار قاسٍ للوعي والكرامة. علاقة نرجسية قائمة على السيطرة والتلاعب العاطفي، يسحب العاشق النرجسي الزهراء إلى منطقة فقدان الذات، ويضعها أمام أسئلة موجعة عن الاستحقاق، وعن الخوف من الوحدة، وعن الثمن الذي تدفعه النساء حين يخلطن الحب بالحاجة إلى الأمان. لا تُدين رواية "نجوت وحدي" الرجل وحده بل تفتح مساءلة أوسع للبنى الاجتماعية والنفسية التي تجعل المرأة أكثر عرضة للتعلّق المؤذي، وأكثر استعدادا للتنازل عن ذاتها باسم الحب أو القبول.

قوة هذا النص تكمن في صدقه، فهو لا يقدّم شفاءً سحريًا ولا نهاية وعظية. لا صلاة مفاجئة تمحو الوجع ولا حبّ بديل يُرمّم الكسر. ما تقدّمه الرواية هو مسار بطيء، إنساني، للخروج من المحنة: وعيٌ يتشكّل داخل ذاكرة تُعاد قراءتها وعلى حدود تُرسم مع الذات قبل الآخرين. لا تنجو الزهراء بالمعنى السهل للكلمة، لكنها تتعلّم كيف تحمل خيباتها دون أن تكون أسيرتها.. وتنجح في ريم آفاق جديدة لمسار حياتها عبر السفر، عبر محو الماضي بطريقة جذرية من أجل رسم ولادة جديدة.

أسلوبيا، يعتمد النص لغة سردية مشحونة بالشاعرية دون الوقوع في التزيين، لغة قريبة من الاعتراف، ومن كتابة الجسد والذاكرة، حيث يتداخل النفسي بالاجتماعي، والذاتي بالجماعي. لا تحكي رواية "نجوت وحدي" سيرة امرأة واحدة فقط، بل تعكس وجع جيل كامل من النساء اللواتي تعلّمن الصمود أكثر مما تعلّمن الحب، ودفعت بهنّ الحياة إلى النجاة الفردية في غياب سند حقيقي.. نصّ يفتح نقاشًا ضروريًا حول العنف العاطفي، والنرجسية، وتمثّلات الحب، ومكانة المرأة بين الاستقلال الظاهري والوحدة العميقة..