أريري: العمارات المستباحة في مدينة ساوباولو!

أريري: العمارات المستباحة في مدينة ساوباولو! عبد الرحيم أريري مع السيدة Marli Baffini سانديك عمارة Dandara المشهورة بساوباولو

إن كانت هناك مدينة ضخمة في العالم تجسد انفلات الظاهرة الحضرية، فهي بالتأكيد مدينة "ساوباولو"، التي تعرف في كل يوم توافد حوالي 3000 فرد للسكن بها أو بضواحيها، أي بزيادة مليون فرد في السنة. وهذا ما زكاه المكتب الوطني للإحصاء بالبرازيل (IBGE)، الذي أبرز أن "ساوباولو" عرفت في السنتين الماضيتين انتفاخا ديمغرافيا قدره 2 مليون نسمة، وهو ما رفع عدد السكان بالمدينة إلى 12 مليون نسمة، ورفع عدد سكان ميتروبول ساوباولو إلى 22 مليون نسمة.

هذا الضغط الديمغرافي أفرز أزمة حادة في السكن بهاته المدينة/ الغول. إذ في عام 2024، وصل العجز السكني في "ساوباولو" وحدها إلى 400 ألف وحدة سكنية( أي أكثر من مجموع الوحدات السكنية الموجودة في واشنطن أو في سان فرانسيسكو!)، مما يطرح تحديا قاسيا أمام المدبر العمومي البرازيلي لتطويق المشكل.

نعم، سبق لمدينة "ساوباولو"، أن اعتمدت في مطلع الألفية الحالية برنامجا طموحا مكن من إنتاج 8 ملايين وحدة سكنية، لكن كلفة هذا البرنامج كانت باهضة جدا من الناحية الاجتماعية والتعميرية، بحيث تفاقمت الفوارق الاجتماعية وازدادت شرخا بسبب التمطط الحضري اللامتناهي، وعدم تناسب السكن الجديد والبعيد مع متطلبات العيش الكريم من شغل ومن ولوج إلى الخدمات والمرافق الأساسية، مما ولد لدى المواطنين المعنيين متاعب جمة في التنقل لمسافات طويلة جدا للالتحاق بعملهم.

في ظل هذه الأزمة برزت في البرازيل عامة وفي مدينة "ساوباولو" خاصة، ظاهرة اجتماعية أزعجت السلطة العمومية، ألا وهي اقتحام الأسر المتضررة للعمارات المهجورة والدخول عنوة للشقق الفارغة والسكن فيها بالقوة. هذه الظاهرة تزعمتها "حركة العمال بدون سكن قار" (MTST)، وتعني " Mouvement des Travailleurs sans domicile fixe.

حركة MTST، ولدت من رحم فشل برنامج برازيلي يقضي بمنح السكن مجانا للعائلات المعدمة التي يقل دخلها الشهري عن 516 دولار أمريكي، وهو البرنامج الذي يقوم على إجراء قرعة لتوزيع السكن للمستهدفين. لكن عددا كبيرا من المعنيين انسحبوا من القرعة ورفضوا هذا السكن لكونه بعيدا جدا عن أحواض الشغل. علما أن أزمة السكن تعد من المشاكل المستعصية بالبلاد منذ خروج البرازيل من العهد الديكتاتوري في 1985، إذ رغم تعاقب الحكومات لم يتم إيجاد حل نهائي للأزمة.

ومع مجيء "لولا داسيلفا" للرئاسة( حكم البرازيل لولايتين متتاليتين: من يناير 2003 إلى يناير 2011)، وبحكم توجهه اليساري، تم إعطاء دفعة مهمة لبرنامج السكن الاجتماعي بالمدن التي تعرف ضغطا مكثفا بسبب الهجرة(الرئيس "لولا" بنفسه هاجر مع أسرته الى ساوباولو وعمره لا يتعدى 7 سنوات). 
هذا البرنامج أطلقه "لولا داسيلفا" عام 2009، حمل اسم:" مسكني، حياتي"، ويعني باللغة البرتغالية:" Minha Casa,MinhaVida".لكن لما تولى النيوليبرالي بولسونارو الحكم بالبرازيل من 2018 إلى 2022، قام بإيقاف برنامج "MCMV". 
ولما عاد الرئيس "لولا" من جديد للحكم عام 2022، قام بإحياء البرنامج وضخ جرعة جديدة في سياسته العمومية الخاصة بالسكن عبر تخفيض نسبة الفائدة ومضاعفة إنجاز عدد الوحدات السكنية بحلول 2026، كما قام الرئيس "لولا" بتحسين الربط بين السكن وأحواض الشغل لامتصاص الغضب والطلب لى حد سواء.

ومع ذلك ظل ملف السكن هو الهاجس الأكبر بالمدن الكبرى بالبرازيل، بدليل أن الحملة الانتخابية البلدية لعام 2024 ، طغت عليها أزمة السكن بحدة بين المرشحين المتنافسين.

في بلدية "ساوباولو"، تمكن العمدة الحالي Ricardo Nunes (وبدعم من حاكم الولاية الحالي "Tarcisio de Freitas" )، من الفوز بفضل التزامه بتخصيص نصف البرنامج الحكومي الخاص بالسكن الاجتماعي(أي 130 ألف وحدة سكنية من أصل 260 ألف)، داخل وسط المدينة وليس بالضواحي. وهو ما مكنه من هزم خصمه Ghilherme Boulos في الانتخابات، علما أن Boulos مشهور في البرازيل بنضاله وترافعه لفائدة السكن الاجتماعي ووجوب تخصيصه للفقراء، بل إن شهرته وطنيا استمدها من تزعمه لتنظيم "حركة العمال بدون سكن قار" (MTST). 
فشل Boulos في الظفر برئاسة مجلس مدينة "ساوباولو"، يرتبط بأن برنامجه اكتفى بتقديم مساعدات للمقاولات التي تظفر بصفقات " مسكني، حياتي" MCMV، قرب محطات النقل العمومي وتحويل العمارات المهجورة لسكن للفقراء.

لكن العمدة Ricardo Nunes، لم يرغب في أن يبقى ملف السكن "ورقة انتخابية" منهكة، إذ شرع فور بدء ولايته في الإذن للبلدية باقتناء العمارات وسط المدينة وتخصيصها للسكن الاجتماعي مستفيدا من عاملين اثنين: 
العامل الأول يرتبط بما يتضمنه تصميم التهيئة لمدينة ساوباولو (وهو تصميم عدل عام 2014 في عهد العمدة Fernando  Haddad الذي يشغل حاليا منصب وزير المالية في حكومة " لولا داسيلفا")،من إمكانية الترخيص للعمارات المجاورة لمسارات خطوط النقل العمومي برفع عدد طوابقها وبناء شقق صغيرة واستوديوهات قليلة الكلفة.
أما العامل الثاني فيتمحور حول الخزان العقاري المهجور بوسط "ساوباولو"، إذ بينت الدراسات البرازيلية أن 20% من عمارات وسط المدينة فارغة، بعد أن فضلت العديد من الشركات والأبناك ومراكز التسوق الرحيل من محيط شارع Paulista، وتوطين أنشطتها بالشارع الباذخ L'Avenida Faria Lima. وهو ما يمثل احتياطا مغريا لتحويل هاته العمارات إلى سكن اجتماعي.

الدليل على ذلك أن الزائر لمدينة "ساوباولو" سيصاب بالذهول وهو يرى "غابة من الرافعات" المنصوبة في كل الأزقة والشوارع بوسط المدينة، لتحويل كل شبر أرض فارغ إلى ناطحة سحاب من 30 أو 40 طابقا، أو لدك بناية مهجورة لإخراج أساسات عمارة سكنية شاهقة من أحشاء تربتها.


ملحوظة:
الصورة الأولى مع السيدة Marli baffini، وهي المكلفة بمهام "سانديك" عمارة Dandara" بشارع Ipiaranga، بوسط ساوباولو. هاته العمارة المهجورة سابقا، كانت مقرا لمحكمة الشغل الفيدرالية سابقا وتم تحويلها لسكن اجتماعي.

الصورة الثانية: منظر عام لعمارة Dandara ذات 14 طابقا يضم 120 شقة اجتماعية