محمد أنور الشرقاوي
الأسماء التي تلق على بعض الأحياء الهامشية للمدن المغربية الكبرى ليست مجرد تسميات عابرة أو أوصاف بريئة، بل هي في كثير من الأحيان مرآة صادقة لواقع اجتماعي معقّد، تختلط فيه الجغرافيا بالتاريخ، والمعاناة اليومية باللغة الشعبية.
فهي أسماء وُلدت خارج الوثائق الرسمية، لكنها استقرت بقوة في الذاكرة الجماعية.
في علم الاجتماع الحضري، تُعدّ تسمية الأحياء فعلاً رمزياً بامتياز.
فعندما يغيب التخطيط الحضري، وتتأخر الدولة في توفير الحد الأدنى من المرافق الحيوية، تتكفّل العامة بصياغة الأسماء.
اللغة هنا لا تزيّن الواقع، بل تفضحه.
الاسم يصبح توصيفاً قاسياً للعيش اليومي، ووسيلة احتجاج صامتة على التهميش، وطريقة لتثبيت المعاناة في الذاكرة.
تسمية مثل “الواد الخانز” تحمل في طياتها أكثر من دلالة لغوية.
فهي تحيل مباشرة إلى الروائح الكريهة والفساد، وغالباً ما ترتبط بوجود مجرى مائي ملوّث أو غياب شبكة للتطهير السائل.
في هذه الحالة، يتحوّل الوادي من عنصر حياة إلى مصدر تهديد صحي، ويغدو الاسم تعبيراً عن شعور جماعي بالإهمال وترك السكان لمواجهة التلوث وحدهم.
أما “دوار لاحونا”، فيستحضر في الدارجة المغربية معاني الفوضى وغياب النظام. وهو توصيف شائع لأحياء نشأت خارج أي تخطيط عمراني، حيث تختلط الملكيات، وتُشيَّد البيوت دون مراقبة أو تأطير.
الاسم لا يصف المكان فقط، بل يعكس أيضاً واقعاً اجتماعياً تشكّل في ظل الإقصاء وصعوبة الولوج إلى السكن اللائق داخل المدينة المنظمة.
وتحمل تسمية “الخروبة” دلالة الخراب والأرض المهجورة وغير الصالحة للعيش.
وغالباً ما أُطلقت على مناطق كانت في الأصل أراضي قاحلة أو مهمَلة، تحوّلت مع الزمن إلى فضاءات للسكن الاضطراري، خصوصاً لفئات قادمة من الهامش القروي.
الاسم يختصر مساراً طويلاً من التهميش، من أرض منسية إلى حي مكتظ بلا تجهيزات أساسية.
هذه التسميات لا تكتفي بتشخيص الواقع، بل تكرّس الوصم وتُلصق الفقر بالمكان وساكنيه، حتى يصبح الانتماء إلى حي معيّن حكماً مسبقاً على الإنسان نفسه.
حين يُقال إن شخصاً ينحدر من “الواد الخانز” أو “الخروبة”، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتحديد موقع جغرافي، بل باستحضار صورة نمطية كاملة، تختزل الإنسان في بيئته وتُحمّله مسؤولية وضع لم يكن شريكاً في صنعه.
هذه الأسماء تكشف، في عمقها، اختلالات بنيوية في السياسات الحضرية، وتفاوتاً صارخاً في العدالة المجالية، وغياباً فعلياً لما يُسمّى في الأدبيات السوسيولوجية بـ“الحق في المدينة”.
فهي شهادة لغوية على أن التهميش لا يظهر فقط في ضعف الميزانيات أو غياب البنيات التحتية، بل أيضاً في الخرائط، وفي الكلمات، وفي طريقة تسمية الأمكنة.
في النهاية، يمكن القول إن التسميات الشعبية للأحياء الهامشية تشكّل أرشيفاً شفهياً للمعاناة والصبر والغضب المكبوت.
وفهم هذه الأسماء ليس تمريناً لغوياً، بل مدخل أساسي لفهم المدينة نفسها، وإعادة التفكير في نموذج حضري يعيد الاعتبار للإنسان، ويمنح المكان اسماً لا يجرح كرامة ساكنيه، بل يعكس حقهم في العيش الكريم.
محمد أنور الشرقاوي، فاعل جمعوي