عبد الإلاه القصير: حول صناعة القادة السياسيين في الدول المتخلفة و الدول المتقدمة

عبد الإلاه القصير: حول صناعة القادة السياسيين في الدول المتخلفة و الدول المتقدمة عبد الإلاه القصير

تعد عملية بروز و صعود القادة السياسيين مؤشرًا رئيسيًا على قوة وفعالية النظام السياسي في أي دولة. إذ تعكس آليات اختيار القيادات طبيعة المؤسسات السياسية واستقرارها، كما تؤثر على سياسات الدولة وتنمية المجتمع.

 ففي جل العديد من الدول النامية بما في ذلك المغرب، غالبًا ما تتقاطع الولاءات الشخصية والشبكات الحزبية والعائلية مع الكفاءة والخبرة في تحديد صعود القيادات السياسية، مما ينتج أنماط قيادة تتسم بالتعقيد وتحديات الاستقرار.

و في المقابل يعتمد صعود القادة ، في الدول المتقدمة، على آليات مؤسسية واضحة وشفافة، تركز على الكفاءة والخبرة والاستحقاق، بعيدًا عن الولاءات الشخصية أو الانتماءات الضيقة. حيث تلعب المؤسسات دورها في اختيار القادة على أساس الاستحقاق والكفاءة والقدرة على القيادة، بعيدًا عن الولاءات الشخصية أو الانتماءات الضيقة. وهذا ما يُعرف بالنظام القائم على الجدارة والاستحقاق (Meritocracy)، الذي يتيح للأفراد ذوي الكفاءات المتميزة فرصة الوصول إلى مواقع القرار بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو شبكاتهم الشخصية. وفي هدا الاطار يمكننا الاستشهاد على سبيل المثل لا الحصر بعدة تجارب:

 ففي كندا مثلا فان صعود رؤساء البلديات والحكومات الإقليمية يعتمد على مؤسسات حزبية منظمة وشفافة، حيث يتم اختيار القيادات وفق مسار مهني طويل يتضمن خبرة في الإدارة العامة والسياسة المحلية، بعيدًا عن الولاءات العائلية أو القبلية. أما في أمريكا فان صعود محمود ممداني كعمدة جديد لنيويورك يعد مثالًا حيًا على هذا النموذج، حيث وصل إلى منصبه عبر عملية انتخابية ديمقراطية شفافة، تعتمد على الكفاءة السياسية والخبرة الإدارية. وهناك كذلك التجربة الألمانية بحيث ان وصول القيادات إلى المناصب العليا في الحكومة الاتحادية يتم عبر مسار حزبي مؤسسي دقيق، يجمع بين الخبرة السياسية والكفاءة الإدارية، ويتيح تقييم الأداء بوضوح قبل الوصول إلى المناصب العليا. اما  في اليابان،فان  صعود القادة السياسيين، خاصة في الوزارات والإدارات المركزية، يعتمد على نظام خدمات مدنية متطور، يضمن اختيار الأكفاء من خلال اختبارات ومعايير واضحة، مع تحييد الولاءات الشخصية عن الترقية أو الوصول إلى السلطة.

هذه التجارب كلها  توضح لنا كيف أن المؤسسات القوية والشفافة في الدول المتقدمة تسمح بالكفاءة والقدرة على القيادة أن تكون العامل الحاسم في صعود القيادات، الشيء الذي يعزز فعالية المؤسسات ويؤثر إيجابا على استمراريتها.

على النقيض من ذلك ، ففي العديد من الدول النامية، يهيمن الطابع الشخصي على الطابع المؤسسي، ويصبح صعود القادة عملية معقدة تتداخل فيها الولاءات العائلية أو الحزبية أو القبلية على حساب القدرات الفردية. بحيث ان  التفوق الشخصي أو الخبرة المهنية لا يضمن الوصول إلى مراكز القيادة، بل كثيرًا ما يكون الامر مرتبط بالموقع ضمن شبكة النفوذ والعلاقات، مما يولد مزيجًا من الكفاءة المحدودة والولاءات المتناقضة. هذا النمط يمكن أن يعرقل بناء مؤسسات قوية ومستقرة، ويؤدي إلى سياسات قصيرة الأمد تعتمد على المصالح الضيقة بدل المصلحة العامة بحيث تكون لها تداعيات وانعكاسات سياسية واجتماعية:

فعلى المستوى السياسي يؤدي هدا النمط الئ ضعف استقرار المؤسسات، وتبني سياسات قصيرة الأمد تركز على مصالح محددة بدل التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. مما يمكن ان يساهم في النقص من قدرة المجتمع على مساءلة القادة على الأخطاء أو الفشل السياسي. كما قد يؤدي كذلك الى مزيد من الانقسامات الحزبية ، الشيء الذي يضعف الحوار الوطني ويضاعف صراعات النفوذ على المواقع.

واجتماعيًا، يؤدي هذا النظام إلى تراجع الثقة بالمؤسسات، ويعزز ثقافة المحسوبية والزبونية، التي تمتد لتشمل عدة  قطاعات  بما في ذلك الصحة والتعليم والعمل والخدمات العامة. كما يساهم في الحد من فرص الشباب والكفاءات من الوصول إلى مواقع التأثير، مما يحد من دينامية المجتمع وقدرته على الابتكار، ويكرس الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات، ويضمن ويكرس استمرار هيمنة النخب التقليدية .

من هذا المنظور، يمكننا القول أن الفارق الجوهري بين الدول النامية والمتقدمة في صناعة القيادات لا يكمن فقط في الشخصيات أو القدرات الفردية، بل في الإطار المؤسسي الذي يحدد شروط الصعود والمسؤولية والمحاسبة، وهو ما يفسر في جزء كبير الفجوة بين فعالية القرارات واستقرار الحكم في هذين السياقين المختلفين