عبد الرحيم جلدي والمرحوم العربي باطما
تحل هذه الأيام الذكرى التاسعة والعشرون لرحيل الفنان والمبدع العربي باطما أحد المؤسسين وأعمدة مجموعة ناس الغيوان، الذي غادرنا صباح يوم السابع من فبراير 1997. لم يكن العربي (أو "با عروب" كما يطلق عليه المقربون منه) رقماً عاديا داخل المجموعة إلى جانب رفاقه في المشروع الغيواني: المرحومَين بوجميع وعبد الرحمان باكو، عمر السيد وعلال يعلى أطال الله في عمرهما، بل رقماً صعبا يستعصي على المرء سبْرُ أغوارهِ واسْتكْنَاه جوهرهِ، خاصة حين تتأكد أنك أمام كائن طفولي مُشْرَعِ الأبواب، مُنفتحٍ على الآخر، متفاعلٍ مع المحيط، فاعل ثقافي بامتياز...
أود هنا أن أحكي عن واحدة من الذكريات الجميلة (والمؤلمة في الآن نفسه) التي جمعتني بالمرحوم باعروب.
سأختار هنا قصة كتابة الجزء الثاني من السيرة الذاتية "الرحيل".
حين اشتد به المرض كنت أزوره تقريبا بشكل يومي سواء حين كان يرقد ببيته أو بالمصحة التي ليست بالبعيدة عن محل سكناه أو بمستشفى مولاي عبد الله بالرباط.
زرته على بعد ستة أو سبعة أسابيع من رحيله وكان يرقد بمستشفى مولاي عبد الله. كان يوم الثلاثاء آخر يوم من سنة 1996. طبعا كالعادة أتفقد أحواله وأحاول الرفع من معنوياته كما يفعل مجموعة من الأصدقاء والأقارب الذين يزورونه. كانت القاعة التي يتواجد بها تحتوي على عشرة أسرة لمرضى مصابين بالمرض الخبيث (جميعهم في مراحلهم النهائية).
كان يرقد بجانب العربي مريض شاب اسمه "محمد" في عقده الثاني تقريبا. تبادلت معه أطراف الحديث في حدود الممكن لأن وضعه الصحي لم يكن يسمح. مع ذلك كان فرحا لكونه يتواجد جنبا إلى جنب مع أحد أركان مجموعة ناس الغيوان. كان معنا البروفسور نجمي الذي كان إلى جانب البروفيسور الكَداري يشرفان على علاج المرحوم العربي باطما.
انتهت الزيارة وعدت في تلك الليلة إلى الدار البيضاء، لكن في الغد ومع بداية السنة الجديدة عدت إلى الرباط محملا بعلبة الشوكولاط لزيارة باعروب ولأبارك له السنة الجديدة. ما إن ولجت القاعة التي كان يرقد بها حتى رأيت ملامح الرجل متغيرة، نصف ممدد على ظهره. كباقي المرات التي أزوره فيها ابتسمت وقلت له اليوم أنت أحسن. لكن هذه المرة ليست كباقيها، حيث أجابني بغضب شديد: "أمس قضيت أسوا ليلة في حياتي. مات محمد".
حكى لي العربي آخر اللحظات قبل أن يتوفى الشاب المريض ثم صمت. انتبهت أخيرا إلى سرير محمد الذي كان فارغا. بعدها جلست إلى جانب العربي وأخذت كراستي وقلما وبدأت أكتب إلى أن انهيت كتابة مادة صحفية وبقيت بعض الوقت ثم انصرفت من جديد من حيث أتيت.
في اليوم الموالي عدت لزيارته حاملا معي جريدة الاتحاد الاشتراكي (التي كنت أشتغل بها كمراسل من باريس) بها المادة الصحفية عن وفاة محمد والمعنونة بـ: "مات محمد وانتهت السنة"، لكن موقعة باسم العربي باطما. كنت أحمل معي أيضا دفترا من الحجم الكبير وبعض الأقلام.
قرأت عليه المقالة وشعرت بأنه كان سعيدا حين رأى إسمه. كانت هاته هي البداية حيث فاتحته بأن يشغل نفسه بالكتابة حتى تنسيه بعض الشيء ما يعانيه هو وكذا باقي المرضى المتواجدين معه في نفس القاعة.
بدأ الكتابة فعلا وبإصرارشديد. لم يمر سوى أسبوع واحد حتى كان الجزء الثاني من السيرة الذاتية تقريبا جاهزا. بعدها بأيام، ولأنه لم يعد يقوعلى الكتابة والقراءة، أعطاني إياه لإتمام نقله من صيغته البكر إلى صيغته النهائية بعد أن كان قد حول ثلثي الكتاب إلى صيغته النهائية طالبا مني مراجعة النص وتصحيحه مع إدخال التعديلات الضرورية وهو ما قمت به.
في الحقيقة لم تكن تعديلات في العمق إنما بعض الروتوشات الطفيفة المتعلقة بالصياغة. لكنني وأنا أراجع النص كنت أتعجب لقوة الرجل الذي استطاع وفي وقت وجيز أن يلخص الأربع سنوات من المعاناة وبأسلوب أدبي رائع حيث كشف لي شخصية ثانية للعربي باطما، شخصية صامدة وقوية تصارع الموت بالكتابة.
كان يتحدى وهو يصارع الموت بالكتابة، كانت الكتابة سلاحه الوحيد ضد الألم.
أعدت له النسخة النهائية وقلت له لم يبق سوى العنوان. تناقشنا بعض الوقت ثم قال العنوان هو: "الجزء الثاني من السيرة الذاتية للرحيل". قلت معقبا إنه عنوان طويل والأحسن أن يكون العنوان قصيراً وبعد تفكير اقترحت عليه "الألم" كعنوان. لم يتردد ورد بالإيجاب ووضعت العنوان في بداية النص.
سلمني الصيغة النهائية من "الألم" (أو الجزء الثاني من السيرة الذاتية) طالبا مني أن أشرف على نشرها حيث قال: "هذه أمانة في عنقك عِشتُ أو مُتُّ انشرها"، وهو الشيء الذي كرره في مناسبة ثانية بحضور الفنانة القديرة ثريا جبران رحمها الله والفنان المبدع محمد الدرهم أطال الله في عمره.
أوفيت بوعدي وأشرفت إلى جانب إخوته وبدعم معنوي من الشاعر محمد بنيس على إصدار الطبعة الأولى بمناسبة الذكرى الأولى لرحيله. والآن وبعد مضي 29 سنة على رحيل العربي باطما، صدرت ست طبعات من كتاب الألم كان آخرها الطبعة السادسة التي صدرت سنة 2024.
في الأخير، لقد ترك العربي باطما إرثا ثقافيا غنيا، إذ بالإضافة إلى أعماله المسرحية والسينمائية والتلفزيونية وديوانه الزجلي الأول "حوض النعناع" الذي صدر سنة 1989 ثم كتاب "الرحيل" (الجزء الأول من السيرة الذاتية) الذي صدر سنة 1995 صدر بعد وفاته الجزء الثاني من هذه السيرة تحت عنوان "الألم" كما صدرت "ملحمة لهمام حسام" في أربعة أجزاء وهي أطول قصيدة وتضم 17192 بيتا شعريا.
أما الكتابات المتبقة حسب علمي فهي روايتان بعنوان «خناثة» و«رحلة إلى الشرق» والجزء الثاني من المسلسل التلفزيوني "جنب البير" وكتابات أخرى في القصة القصيرة أرجو الاهتمام بها حتى تعرف طريقها إلى القراء والمشاهدين قريبا.
في الأخير أختم هذه المقالة بمقطع من قصيدة للفنان محمد الدرهم في رثاء العربي باطما والمعنونة بـ "يا صاح":
يا صاح! قريت عليك شواهد الرفاق
كانت في حقك حق
خسروك اللي جهلوك
وما جهلك غير احمق
ياالي ما صدق!
اعطيني عربي ثاني
واتكون سميتو باطما
وميزانو غيواني
وصوتو فغناه ايلا حما
غبارو مايتشق.