أريري: كيف تم زرع "مملكة يابانية" في قلب مدينة ساوباولو البرازيلية

أريري: كيف تم زرع "مملكة يابانية" في قلب مدينة ساوباولو البرازيلية عبد الرحيم أريري بالحي الياباني رفقة المغربي علي مسعودي وزوجته fabiana ذات الأصل الياباني، وابنهما

رغم أن مساحته تعادل مساحة حي الألفة بالدار البيضاء، إلا أن ساكنته تعادل ساكنة مدينة مغربية كبيرة من حجم أسفي.
الأمر يتعلق بأشهر حي، ليس بمدينة ساوباولو فحسب، بل بالبرازيل ككل. الحي اسمه Bairo oriental. وتعني باللغة العربية "الحي الشرقي"، لكون الأغلبية الساحقة من سكان هذا الحي ينحدرون من اليابان، مما جعل هذا الحي يصنف كأكبر وأشهر حي يضم أضخم جالية يابانية في العالم.

 

فعلى عكس ما نسجته الأفلام الأمريكية والدعاية الغربية من كون المهاجرين اليابانيين يتمركزون في مدن أمريكا وأوربا، لدرجة ترويج ألقاب على أحيائهم، من قبيل: "little tokyo"، بمدينة لوس أنجلس، و"little osaka"، بمدينة سان فرانسيسكو، و"japan town"، بمدينة سان خوسي بكاليفورنيا، و"quartier japonais"بباريس، و"la mini tokyo"، بمدينة دوسيلدورف الألمانية، فإن أكبر تمركز للجالية اليابانية في العالم يوجد بالبرازيل، وتحديدا بمدينة ساوباولو.

 

ففي العاصمة الاقتصادية لبلاد السامبا يمثل البرازيليون من أصل ياباني 16% من مجموع سكان مدينة ساوباولو. وكشف آخر إحصاء سكاني بأن عدد البرازيليين من أصل ياباني بلغ 1.900.000 نسمة بالمدينة. وأكبر حي يسكن فيه اليابانيون هو "الحي الشرقي" بدائرة Liberdade في قلب العاصمة المالية للبرازيل، حيث يقطن في هذا الحي 350.000 برازيلي من أصل ياباني، أي ما يمثل 21% من مجموع اليابانيين بساوباولو.

 

الهجرة المكثفة لليابانيين نحو البرازيل، قصة تستحق أن تروى. وهذه القصة لها ثلاثة مداخل لاستيعابها:

المدخل الأول: تحرير العبيد نهاية القرن 19

في ماي 1888، ألغت البرازيل العبودية، مما أدى إلى تفريغ ضيعات إنتاج القهوة من اليد العاملة، على اعتبار أن العبيد المحررين توجهوا إلى المدن البرازيلية بحثا عن "راحة نفسية"، وبحثا عن مورد رزق أحسن من الاستعباد في الحقول. هنا وجدت البرازيل نفسها أمام ندرة شديدة في اليد العاملة، وهي الندرة التي تفاقمت بعد قرار إيطاليا  في عام 1902 وقف "تصدير" المهاجرين نحو البرازيل، مما جعل هاته الأخيرة تبحث عن أحواض جغرافية بديلة "تستورد" منها اليد العاملة.


في تلك الفترة كانت اليابان تعيش اختناقا اقتصاديا واجتماعيا رهيبا، فانتهزت البرازيل الفرصة وأصدرت عام 1892 قانونا يسمح لليابانيين وللصينيين الهجرة للعمل بحقول البرازيل. 


ويوم 28 أبريل 1908 ستغادر السفينة ميناء Kobe الياباني، وعلى متنها الدفعة الأولى من المهاجرين اليابانيين الذين رست بهم السفينة في ميناء مدينة "سانتوس" بولاية ساوباولو. وهو ما تم تتويجه فيما بعد بإبرام أول اتفاق بين البرازيل واليابان حول هجرة السواعد اليابانية للعمل في مزارع القهوة غرب ساوباولو (الاتفاق أبرم يوم 18 يونيو 1908).


اختيار اليابانيين للهجرة الجماعية بحثا عن مورد رزق بالبرازيل لم يكن مخططا له مسبقا، بل أملته سياقات داخلية ودولية، وهو ما يقودني إلى المدخل الموالي.

 

المدخل الثاني: عزلة اليابان وإجبارها بالقوة على الانفتاح

كانت اليابان من أكثر الدول انغلاقا في العالم. هذا الانغلاق سيتعمق أكثر مع حكم سلالة Sogunat Tokugawa، التي فرضت بين 1639 و1854، سياسة العزلة، أو ما يعرف يابانيا باسم "SAKOKU"، أي سياسة "إغلاق البلاد"، بمبرر حماية البلد من الغزو الفكري والديني الغربي مخافة أن تنهار المنظومة البوذية باليابان. 


بموجب سياسة "الإغلاق"، كان يمنع على الياباني السفر كما يمنع على الأجنبي دخول اليابان تحت طائلة الإعدام. ولم يكن مسموحا لليابانيين إطلاقا القيام بأي تعامل مع الأجانب، اللهم بعض العلاقات التجارية المحدودة التي كان مسموحا بها استثناء مع تجار قلائل : هولنديين وصينيين وكوريين.


ولم تتخل اليابان عن سياسة الإغلاق (Sakoku)، إلا تحت تهديد فوهات المدافع الأمريكية. إذ أوفدت واشنطن عام 1813 سفنا حربية كثيرة برئاسة القائد البحري Matthew Perry، حيث تم إجبار اليابان على الانفتاح وتوقيع معاهدات تجارية، ليس مع أمريكا وحدها بل تلتها معاهدات تجارية مع دول غربية أخرى، وهذا ما شكل الانطلاقة لعهد "ميجي" الذي ستعرف فيه اليابان عصرنة سريعة.


هاته العصرنة السريعة التي تزامنت مع نهاية النظام الفيودالي باليابان، فرخت أزمة ديمغرافية غير مسبوقة، كما أدت إلى تفريغ البوادي والهجرة المكثفة للقرويين اليابانيين نحو المدن هربا من الفقر. في هاته الفترة انطلق العداد الرسمي لهجرة اليابانيين نحو الخارج للبحث عن العمل، وكانت وجهتهم الأولى هي جزيرة "هاواي" الأمريكية فضلا عن مدن غرب كندا وكذا أستراليا.

 

لكن "شهر العسل" المتمثل في احتضان المهاجرين اليابانيين لم يدم طويلا.إذ بادرت أمريكا وكندا إلى سن مجموعة من القيود المجحفة(بين سنتي 1908 و1924) ضد اليابانيين، فضلا عن ذلك بدأت أستراليا تغلق حدودها في وجههم، مما جعل اليابانيين بدورهم يسقطون في "غرام" البرازيل التي كانت من جهتها في حاجة ماسة لليد العاملة. وهذا ما يفسر ارتفاع منحنى هجرة اليابانيين نحو البرازيل بشكل مهول بعيد الحرب العالمية الأولى، إذ تدفقت على البرازيل موجة كبيرة تضم 240.000  مهاجر ياباني دفعة واحدة، للعمل في حقول وضيعات ولاية ساوباولو الخاصة بإنتاج القهوة والشاي والأرز والتوت وغيرها من المزروعات.
وشاءت الأقدار أن يعرف العالم حربا عالمية ثانية ستكون هي الأخرى مضخة لتهجير اليابانيين نحو البرازيل.

 

المدخل الثالث: برازيليا..العاصمة التي أينعت بفضل اليابانيين

بعد الحرب العالمية الثانية، وقع حدثان سيغيران مجرى الحضور الياباني بالبرازيل.
الحدث الأول مرتبط بالدمار الذي عرفته اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وما تلاه من انكماش، وبالتالي تفقير الساكنة التي بدأت تهاجر للخارج بحثا عن ضمان شرط الوجود. إلا أن العداء المستشري بأمريكا وباقي دول التحالف الغربي ضد اليابانيين، جعل هؤلاء يتوجهون نحو البرازيل الأقل عداء وعنصرية، خاصة وأن هناك أقارب لهم هاجروا من قبل للبرازيل.


الحدث الثاني يتجلى في قرار الرئيس البرازيلي Juscelino Kubitschek تخفيف الضغط الديمغرافي والاقتصادي والعمراني على الواجهة الأطلسية عبر ترحيل العاصمة من مدينة "ريو دي جانيرو" إلى عاصمة جديدة تم بناؤها في زمن قياسي ( بين 1956 و1960)، ألا وهي مدينة "برازيليا" Brasilia بوسط البلاد.


الرئيس Kubitschek لم يكتف بترحيل الحكومة والبرلمان والإدارات الفيدرالية إلى العاصمة الجديدة فحسب، بل أمر ببناء حزام أخضر يلعب وظيفتين: من جهة للتحكم في نمو مدينة "برازيليا" حتى لا تتكرر مساوئ "ساوباولو" و"ريو دي جانيرو"، ومن جهة أخرى لتوظيف الحزام كخزان غذائي لتوفير الخضر والفواكه لساكة المدينة. 


وبحكم سمعتهم السابقة كعمال جديين في الفلاحة، قرر الرئيس البرازيلي منح قطع أرضية فلاحية للعائلات اليابانية لاستصلاحها وزراعتها.
ولما نجحت التجربة عام 1958، تم استنساخها بولايات برازيلية أخرى بمنح قطع أرضية لعائلات يابانية، خاصة في ساوباولو وولاية Para، وهذا ما يفسر أن البرازيليين يحمدون الله على "الهبة اليابانية" التي وهبهم إياها. إذ بفضل السواعد اليابانية تم توفير كل الخضر بالأسواق البرازيلية المحلية وبجودة هائلة.

 

ووفاء لهؤلاء اليابانيين، قامت البرازيل عام 1988، بتكليف النحاتة  Tomie Ohtake( برازيلية من أصل ياباني توفيت عام 2015 بساوباولو عن عمر 101 سنة)، بإنجاز نصب للاحتفال بمرور 80 سنة على بدء الهجرة اليابانية. وهو النصب الموجود بشارع 23 ماي Avenida 23 de maio  غير بعيد عن دائرة La liberdade بقلب مدينة ساوباولو، وهو عبار عن أربعة شفرات بالإسمنت المسلح على شكل موجات ترمز للأجيال اليابانية الأربعة التي هاجرت إلى البرازيل. 


وفي عام 2017 قاد المليونير  João Doria، العمدة السابق لمدينة ساوباولو، حملة رعاية (Mécénat)، لصيانة هذا النصب التذكاري، توجت بتطوع شركة Akzo nobel التي قامت بصيانة وصباغة النصب، الذي ينتصب كشاهد حتى تبقى البصمة اليابانية بالمجتمع البرازيلي متقدة ومتوهجة.
وهذا هو سر الوصفة السحرية للبرازيل التي أفلحت في استقدام أقوام من مختلف الأعراق والملل والنحل وتم صهرهم في بوتقة واحدة، وهي: الولاء للبرازيل ولقيم البرازيل.

 

 

ملحوظة:
الصورة التقطتها بالحي الياباني في Liberdade وسط ساوباولو، مع الباحث المغربي، علي مسعودي، أستاذ الرياضيات بالجامعة البرازيلية المرموقة UNESP  بساوباولو، وزوجته البرازيلية من أصل ياباني FABIANA، أستاذة اللسانيات بنفس الجامعة، رفقة ابنهما.