مشهد من فيضانات القصر الكبير
عندما تواجه الدول مخاطر الفيضانات، فإن الذاكرة التاريخية تصبح أداة إنذار لا تقل أهمية عن التوفر على سدود قوية وبأنظمة تسيير ومراقبة ذكية. فالفيضانات ليست مجرد ظواهر طبيعية عابرة، بل كوارث مركّبة تتقاطع فيها الطبيعة مع القرارات البشرية، وحسن التدبير مع الإهمال. التجربة الأمريكية تقدم مثالاً واضحاً على ذلك، إذ لم تصل الولايات المتحدة إلى ما هي عليه اليوم من تطور في إدارة السدود والفيضانات إلا بعد أن دفعت ثمناً باهظاً من الأرواح والخسائر.
في أواخر القرن التاسع عشر، شهدت مدينة جونزتاون بولاية بنسلفانيا واحدة من أكثر الكوارث دموية في التاريخ الأمريكي. ففي سنة 1889، تسببت أمطار غزيرة في انهيار سد ساوث فورك، وهو سد كان يعاني من الإهمال وغياب الصيانة، لتجتاح موجة مائية هائلة المدينة بالكامل، مخلفة دماراً شاملاً وأكثر من 2200 قتيل. لم تكن الكارثة نتيجة قوة الطبيعة وحدها، بل نتيجة مباشرة لاستهانة بشرية بخطر معروف، وسد تُرك دون مراقبة أو إصلاح، في درس قاسٍ عن العواقب الوخيمة للإهمال.
وبعد عقود، تكرر المشهد بشكل مختلف ولكن بالنتيجة نفسها. ففي سنة 1928، انهار سد سانت فرانسيس في ولاية كاليفورنيا بشكل مفاجئ خلال الليل، مطلقاً موجة جارفة قتلت أكثر من 400 شخص. التحقيقات اللاحقة كشفت أن السبب لم يكن حدثاً طبيعياً استثنائياً، بل أخطاء جيولوجية وسوء تقدير في التصميم، وعدم فهم كافٍ لطبيعة الأرض التي شُيّد عليها السد. هذه الكارثة شكّلت منعطفاً حاسماً في تاريخ إدارة السدود في الولايات المتحدة، إذ أدت إلى إعادة صياغة شاملة لقوانين السلامة، وفرض رقابة صارمة، وتحميل المسؤولية للمهندسين والمؤسسات، وهي إصلاحات أنقذت لاحقاً ملايين الأرواح.
انطلاقاً من هذه الدروس المؤلمة، استثمرت الولايات المتحدة بشكل ضخم في بناء سدود قوية ومتطورة، ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث أنظمة الإدارة والحكامة. اليوم، تضم البلاد اكثر من 90 الف سدا، وبعضها من أقوى السدود في العالم، مثل سد هوفر على نهر كولورادو، الذي يُعد تحفة هندسية من القرن العشرين، ويؤدي أدواراً متعددة تشمل التحكم في الفيضانات، وتوليد الطاقة الكهرومائية، وتوفير المياه لعدة ولايات. كما يبرز سد غراند كولي في ولاية واشنطن، أكبر سد منتج للكهرباء في البلاد، والذي يدعم الزراعة والري على مساحات شاسعة، إضافة إلى سد شاستا في كاليفورنيا، الذي يمثل عنصراً أساسياً في منظومة التحكم في فيضانات شمال الولاية، في سياق مناخ يتأرجح بين الجفاف الحاد والفيضانات العنيفة.
غير أن قوة السدود وحدها لا تكفي. ما يميز التجربة الأمريكية الحديثة هو اعتمادها على إدارة دقيقة متعددة المستويات، تقوم على المراقبة المستمرة على مدار الساعة باستعمال أجهزة استشعار متطورة تقيس منسوب المياه، والضغط داخل جسم السد، وأي اهتزازات أو تشققات محتملة، وترسل هذه المعطيات بشكل فوري إلى مراكز تحكم متخصصة. كما تعتمد على أنظمة تصريف فائض المياه التي تُدار بحسابات دقيقة لتخفيف الضغط عن السدود دون تعريض المناطق السفلية لخطر الغمر المفاجئ. إلى جانب ذلك، يتم توظيف نماذج تنبؤ متقدمة تعتمد على الأرصاد الجوية والذكاء الاصطناعي لمحاكاة سيناريوهات الأمطار القصوى واتخاذ قرارات استباقية قبل وقوع العواصف.
لكن العنصر الأكثر حسماً في تقليص الخسائر البشرية يبقى هو الاستعداد لما هو أسوأ. فكل سد كبير في الولايات المتحدة يتوفر على خطط طوارئ واضحة، تشمل أنظمة إنذار مبكر، وتنسيقاً محكماً مع أجهزة الحماية المدنية والسلطات المحلية، وتدريبات دورية للسكان في بعض المناطق المعرضة للخطر. هذه الخطط لا تفترض أن السدود معصومة من الفشل، بل تنطلق من مبدأ أن الخطر قائم دائماً، وأن حماية الأرواح يجب أن تكون الأولوية المطلقة.
ورغم كل هذا التقدم، فإن التاريخ المعاصر يثبت أن الخطر لم يختفِ تماما. حادثة سد أوروفيل في كاليفورنيا سنة 2017 كشفت هشاشة محتملة حتى في الأنظمة المتقدمة في ادارة السدود بامكانات وموارد هائلة مثل الولايات النتحدة. فبعد تساقطات مطرية استثنائية، تعرّض ممر تصريف المياه الرئيسي للسد لتآكل خطير، ثم بدأ التآكل يمتد إلى المنحدر المجاور لممر الطوارئ، مهدّداً بانهيار محتمل للحافة الخرسانية التي تفصل بين الخزان والمناطق السكنية الواقعة أسفله. هذا السيناريو كان يعني، وفق تقديرات السلطات، احتمال انطلاق موجة مائية قد يصل ارتفاعها إلى عشرات الأمتار، قادرة على اجتياح مدينة أوروفيل والمناطق المجاورة في وقت وجيز.
أمام هذا الخطر، لم تنتظر السلطات الأمريكية وقوع الأسوأ. ففي 12 فبراير 2017، أصدرت شرطة مقاطعة بوت قراراً بالإجلاء الإجباري والفوري لأكثر من 188 ألف شخص من السكان القاطنين أسفل السد، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الطارئة في تاريخ ولاية كاليفورنيا. القرار، رغم ما صاحبه من ارتباك واختناقات مرورية، عكس مبدأً أساسياً في إدارة المخاطر: حين يصبح الاحتمال الكارثي قائماً، فإن حماية الأرواح تسبق كل اعتبار آخر.
عملية الإجلاء لم تكن عشوائية، بل تمت في إطار بنية استجابة طارئة منسقة. فقد قادت إدارة الموارد المائية بكاليفورنيا (DWR) التدخل التقني العاجل، مستعينة بمعدات ثقيلة وطائرات مروحية لإلقاء آلاف الأطنان من الصخور والإسمنت في المناطق المتضررة من ممر الطوارئ، بهدف وقف التآكل ومنع انهيار الحافة. وفي الوقت نفسه، تولّى مكتب حاكم الولاية لشؤون الطوارئ (Cal OES) تنسيق الجهود على المستوى الولائي، مع وضع حوالي 23 ألف عنصر من الحرس الوطني في حالة استعداد، تحسباً لأي تطور أسوأ.
على المستوى الإنساني، جرى توجيه السكان المُجلين نحو مدن أكثر أماناً شمالاً، خصوصاً مدينة تشيكو، حيث فُتحت مراكز إيواء مؤقتة في المدارس، والكنائس، والمعارض، بدعم من الصليب الأحمر والسلطات المحلية. واستمرت حالة الطوارئ والإجلاء الإجباري لمدة يومين، إلى أن تمكنت الفرق التقنية من خفض منسوب المياه في الخزان إلى مستويات أقل خطورة، ما سمح بتقليص أوامر الإجلاء إلى مجرد تحذيرات، وعودة تدريجية للسكان ابتداءً من 14 فبراير.
هذه الحادثة، رغم أنها لم تنتهِ بانهيار السد، كشفت هشاشة محتملة حتى في أكثر البنيات التحتية تطوراً، وأكدت أن الخطر لا يكمن فقط في جسم السد نفسه، بل أيضاً في ممرات التصريف والمنشآت الثانوية التي قد يؤدي فشلها إلى نتائج كارثية. كما أفضت الأزمة إلى برنامج إعادة بناء شامل لممرات التصريف، استمر إلى غاية سنة 2018، وبتكلفة تجاوزت مليارات الدولارات.
والأهم من ذلك، أن حادثة أوروفيل أعادت ترسيخ قناعة مركزية في تدبير مخاطر السدود: الإجلاء المبكر، وإن كان قاسياً أو مبالغاً فيه أحيانا، فهو يظل أقل كلفة إنسانياً وسياسياً من الانتظار حتى لحظة الانهيار. وهو درس يكتسي أهمية خاصة في زمن يتسم بتغير مناخي متسارع، يجعل من الفيضانات القصوى أحداثاً أكثر تواتراً وأقل قابلية للتنبؤ.
في هذا السياق، نجد أنفسنا في المغرب أمام واقع لا يختلف كثيراً في جوهره. فحين يتم اليوم إجلاء مئات الآلاف من السكان من مدنهم وقراهم تفادياً لمخاطر الفيضانات، فإن ذلك يجب ان يُفهم كخيار وقائي شجاع يضع حياة الإنسان فوق كل اعتبار. من جهة ثانية، فإنّ الدرس الذي تقدمه التجربة الأمريكية واضح؛ الكوارث الطبيعية كما في مسماها ناتجة عن الطبيعة، لكنها تجاهل الإشارات المبكرة، والتردد في اتخاذ القرار، وغياب خطط الطوارئ قد يساهم في تعقيد الأوضاع. وفي المقابل، فإن الاستثمار في المراقبة، والصيانة، والإنذار المبكر، والاستعداد للإخلاء من خلال نظام طوارئ الفيضانات، هو ما يمكن من احتواء أزمات الناتجة عن التغير المناخي أو التقليل من خسائرها المحتملة.