المغرب بحاجة ماسة الى تشييد المزيد من السدود وتجويد مبادرة الربط بين الأحواض المائية

المغرب بحاجة ماسة الى تشييد المزيد من السدود وتجويد مبادرة الربط بين الأحواض المائية ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬الحرادجي،‭ ‬أستاذ‭ ‬الجغرافيا‭ ‬بجامعة‭ ‬محمد‭ ‬الأول‭ ‬بوجدة‭ ‬–‭ ‬سابقا

يرى‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬الحرادجي،‭ ‬أستاذ‭ ‬الجغرافيا‭ ‬بجامعة‭ ‬محمد‭ ‬الأول‭ ‬بوجدة‭ ‬–‭ ‬سابقا،‭ ‬أن‭ ‬أطرافا‭ ‬ما‭ ‬أخطأت‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬الوضع‭ ‬بدقة‭ ‬بحوض‭ ‬اللوكوس‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الناجعة‭ ‬لتجنيب‭ ‬المدينة‭ ‬الكارثة‭ ‬أو‭ ‬تخفيفها‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬مشيرا‭ ‬بأن‭ ‬تدبير‭ ‬الفيضان‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬الهين،‭ ‬إذ‭ ‬يقتضي‭ ‬السهر‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬السكان‭ ‬والمنشآت‭ ‬من‭ ‬الأضرار‭ ‬وبين‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الماء‭ ‬من‭ ‬الهدر‭ ‬بتخزينه‭ ‬وعدم‭ ‬صرفه‭ ‬نحو‭ ‬البحر،‭ ‬داعيا‭ ‬الى‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬المواقع‭ ‬المنخفضة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاستيطان.

 

ماهي‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬الى‭ ‬تجاهل‭ ‬مخاطر‭ ‬واد‭ ‬اللوكوس‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬السلطات‭ ‬العمومية‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬مدينة‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬منخفض‭ ‬سهلي‭ ‬معرض‭ ‬للفيضانات‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬الحمائية؟‭  ‬
ربما‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التجاهل،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بسوء‭ ‬تقدير‭ ‬مخاطر‭ ‬الفيضان‭ ‬وضعف‭ ‬تدبيرها‭. ‬هناك‭ ‬دراسات،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬المعيش‭ ‬وهناك‭ ‬أرشيف‭ ‬تاريخي‭ ‬هام‭ ‬يسرد‭ ‬وقائع‭ ‬فيضانات‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬تعد‭ ‬بعدة‭ ‬عشرات‭ ‬المرات‭ ‬وإن‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحدة‭ ‬والخطورة‭ ‬والأضرار‭. ‬وسوء‭ ‬التقدير‭ ‬سيبقى‭ ‬مستمرا‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬هناك‭ ‬تصورات‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭ ‬عن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الفيضانات‭. ‬فالاهتمام‭ ‬ينصب‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬المناخ‭ ‬وأحوال‭ ‬الطقس‭ ‬بقياس‭ ‬غزارة‭ ‬الأمطار‭ ‬وقوة‭ ‬صبيب‭ ‬وادي‭ ‬اللوكوس‭ ‬الذي‭ ‬يخترق‭ ‬المنطقة،‭ ‬والبناء‭ ‬في‭ ‬المنخفضات‭ ‬وفي‭ ‬السهول‭ ‬المعرضة‭ ‬للغمر‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يضيف‭ ‬تأويلات‭ ‬تربط‭ ‬الكارثة‭ ‬بالتعرية‭ ‬النشيطة‭ ‬في‭ ‬حوض‭ ‬الوادي‭ ‬بعالية‭ ‬المدينة‭ ‬والتي‭ ‬توفر‭ ‬واردات‭ ‬من‭ ‬الحمولة‭ ‬الصلبة‭ ‬تخنق‭ ‬المجرى‭... ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬عامل‭ ‬رئيس‭ ‬قلما‭ ‬يتم‭ ‬الانتباه‭ ‬إليه‭ ‬وهو‭ ‬الطبيعة‭ ‬التضاريسية‭ ‬للمكان‭ ‬«الشكل‭ ‬والمرفودينامية»‭. ‬فمدينة‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬تقع‭ ‬عند‭ ‬مخرج‭ ‬وادي‭ ‬اللوكوس‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬شديدة‭ ‬التضرس‭ ‬بتلالها‭ ‬المجزأة‭ ‬بتكويناتها‭ ‬الصخرية‭ ‬ضعيفة‭ ‬النفاذية،‭ ‬إلى‭ ‬سهل‭ ‬فيضي‭ ‬شديد‭ ‬الانبساط،‭ ‬بل‭ ‬شبه‭ ‬مستو‭ ‬بارتفاعات‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬20‭ ‬متر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬سطح‭ ‬البحر‭ ‬الذي‭ ‬يبعد‭ ‬بحوالي‭ ‬30‭ ‬كيلومترا،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬للجريان‭ ‬المائي‭ ‬انحدارا‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬درجة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬درجة،‭ ‬مما‭ ‬يعطل‭ ‬قوة‭ ‬الجاذبية‭ ‬ويبطئ‭ ‬عملها‭ ‬في‭ ‬التصريف‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬سد‭ ‬وادي‭ ‬المخازن‭ ‬يقع‭ ‬قريبا‭ ‬في‭ ‬عالية‭ ‬المدينة،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الأحواض‭ ‬المجاورة‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬تصب‭ ‬فيه،‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬واردات‭ ‬مائية‭ ‬كبيرة‭ ‬للسهل‭ ‬تحت‭ ‬الأمطار‭ ‬الوابلية‭ ‬أو‭ ‬الغزيرة‭ ‬باستمرار‭ ‬هطولها‭ ‬لفترة‭ ‬زمنية‭ ‬طويلة‭. ‬فالمشكل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬وصول‭ ‬الواردات‭ ‬من‭ ‬تلال‭ ‬كتيمة‭ ‬وشديدة‭ ‬الانحدار‭ ‬وصعوبة‭ ‬تصريفها‭ ‬نحو‭ ‬البحر‭ ‬من‭ ‬سهل‭ ‬بانحدار‭ ‬شبه‭ ‬منعدم‭. ‬النتيجة‭ ‬تكون‭ ‬حتما‭ ‬هي‭ ‬ارتفاع‭ ‬منسوب‭ ‬الماء‭ ‬في‭ ‬المجرى‭ ‬الاعتيادي‭ ‬ليفيض‭ ‬ويغمر‭ ‬المجرى‭ ‬الاستثنائي‭ ‬والذي‭ ‬يسمى‭ ‬أيضا‭ ‬مجرى‭ ‬الفيضان‭ ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬السهل‭. ‬وهنا‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العبارات‭ ‬المتداولة‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬«خرجت‭ ‬المياه‭ ‬من‭ ‬مجاريها»‭ ‬و«تحولت‭ ‬الشوارع‭ ‬إلى‭ ‬أنهار»‭... ‬تعابير‭ ‬غير‭ ‬صحيحة،‭ ‬بل‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬مغالطات‭. ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لواد‭ ‬أن‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬مجراه،‭ ‬إذ‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬يفيض‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭ ‬من‭ ‬مجراه‭ ‬الاعتيادي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستوعب‭ ‬صبيبه‭ ‬المرتفع‭ ‬ليحتل‭ ‬ماؤه‭ ‬مجراه‭ ‬الاستثنائي‭. ‬أما‭ ‬تحول‭ ‬الشوارع‭ ‬إلى‭ ‬مجارٍ،‭ ‬فالعكس‭ ‬هو‭ ‬الصحيح،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬مجارٍ‭ ‬مائية‭ ‬احتلها‭ ‬الإنسان‭ ‬وحولها‭ ‬إلى‭ ‬شوارع‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المرافق‭ ‬والبناءات‭ ‬والحدائق‭... ‬فعندما‭ ‬تزورك‭ ‬المياه‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬فاعلم‭ ‬أنها‭ ‬تحمل‭ ‬إليك‭ ‬رسالة‭ ‬تقول: "ارحل،‭ ‬فالمكان‭ ‬ليس‭ ‬لك‭...‬"‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬مجار‭ ‬هامدة‭ ‬تستفيق‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬لآخر‭ ‬لتذكرنا‭ ‬بـ‭ ‬"وعائها‭ ‬العقاري"‭.‬


وفيما‭ ‬يخص‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬الحمائية،‭ ‬يصعب‭ ‬اتهام‭ ‬السلطات‭ ‬العمومية‭ ‬بعدم‭ ‬اتخاذها،‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬أطرافا‭ ‬ما‭ ‬أخطأت‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬الوضع‭ ‬بدقة‭ ‬ولم‭ ‬تتخذ‭ ‬القرارات‭ ‬الناجعة‭ ‬لتجنيب‭ ‬المدينة‭ ‬الكارثة‭ ‬أو‭ ‬تخفيفها‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬ونحن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬بلدنا‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬كفاءات‭ ‬وخبرات‭ ‬ودرايات‭ ‬ومصالح‭ ‬إدارية‭ ‬وتقنية‭ ‬تسهر‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬المواطنين‭ ‬والمنشآت،‭ ‬لكن‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬تحدث‭ ‬كوارث‭ ‬بعضها‭ ‬طبيعي‭ ‬وبعضها‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬التقصير‭. ‬ولا‭ ‬نحتاج‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬التذكير‭ ‬بحدوث‭ ‬هذه‭ ‬الكوارث‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أرقى‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وأقواها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الإمكانيات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الوسائل‭ ‬والتدخل‭ ‬والتدبير‭. ‬وأساس‭ ‬النجاعة‭ ‬هو‭ ‬فهم‭ ‬الوضع‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭.‬

 

ما‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭ ‬لحماية‭ ‬حوض‭ ‬اللوكوس‭ ‬من‭ ‬الفيضانات‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬سد‭ ‬وادي‭ ‬المخازن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يؤدي‭ ‬الوظيفة‭ ‬المنوطة‭ ‬به‭ ‬أم‭ ‬يعود‭ ‬الأمر‭ ‬الى‭ ‬عدم‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بشكل‭ ‬جيد؟
سد‭ ‬وادي‭ ‬المخازن‭ ‬يؤدي‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬أنشئ‭ ‬من‭ ‬أجلها،‭ ‬وهي‭ ‬توفير‭ ‬مياه‭ ‬السقي‭ ‬للسافلة‭ ‬«سهل‭ ‬اللوكوس»‭ ‬وتوفير‭ ‬ماء‭ ‬الشرب‭ ‬للمدن‭ ‬والمراكز‭ ‬المجاورة‭ ‬والبعيدة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تدبير‭ ‬مخاطر‭ ‬الفيضان‭. ‬وتدبير‭ ‬الفيضان‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬الهين،‭ ‬إذ‭ ‬يقتضي‭ ‬السهر‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬السافلة‭ ‬بسكانها‭ ‬ومنشآتها‭ ‬من‭ ‬الأضرار‭ ‬وبين‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الماء‭ ‬من‭ ‬الهدر‭ ‬بتخزينها‭ ‬وعدم‭ ‬صرفها‭ ‬نحو‭ ‬البحر‭. ‬لكن‭ ‬الواردات‭ ‬المائية‭ ‬قد‭ ‬تفوق‭ ‬الطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬لحقينة‭ ‬السد‭ ‬(773‭ ‬مليون‭ ‬متر‭ ‬مكعب)‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مؤخرا‭ ‬إثر‭ ‬هطول‭ ‬أمطار‭ ‬وفيرة،‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬الهاجس‭ ‬هو‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بها‭ ‬ونحن‭ ‬تحت‭ ‬صدمة‭ ‬عدة‭ ‬سنين‭ ‬من‭ ‬الجفاف‭ ‬الحاد،‭ ‬مخافة‭ ‬ألا‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬خرجنا‭ ‬منه‭ ‬بعد‭. ‬لكن‭ ‬تقديرات‭ ‬الرصد‭ ‬الجوي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬الموسم‭ ‬المطير،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬أصلا‭ ‬بمثابة‭ ‬إنذار‭ ‬مبكر‭ ‬بضرورة‭ ‬تفريغ‭ ‬جزئي‭ ‬كبير‭ ‬للمخزون،‭ ‬حماية‭ ‬للسد‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬ضغط‭ ‬الواردات‭ ‬على‭ ‬الحقينة‭ ‬الممتلئة‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وحماية‭ ‬للسافلة‭ ‬من‭ ‬صبيب‭ ‬اضطراري‭ ‬محتمل‭ ‬يفوق‭ ‬القابلية‭ ‬للتحمل‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭. ‬فهذه‭ ‬الحسابات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬المسؤولين،‭ ‬لكن‭ ‬بعض‭ ‬التقديرات‭ ‬قد‭ ‬تفشل‭ ‬إما‭ ‬بعدم‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬الضرورة‭ ‬أو‭ ‬فقط‭ ‬بعدم‭ ‬أجرأتها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬وبالوتيرة‭ ‬المناسبة‭. ‬وهكذا‭ ‬أضيف‭ ‬صبيب‭ ‬التفريغ‭ ‬إلى‭ ‬صبيب‭ ‬المجاري‭ ‬المجاورة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬الأمطار‭ ‬التي‭ ‬تهاطلت‭ ‬على‭ ‬السهل‭ ‬نفسه‭.‬


فإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬حقل‭ ‬معرفي‭ ‬تتداخل‭ ‬وتتكامل‭ ‬فيه‭ ‬علوم‭ ‬مختلفة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تدبير‭ ‬سليم‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬تغيب‭ ‬بعض‭ ‬التخصصات‭ ‬والمعارف‭ ‬أو‭ ‬يتم‭ ‬تغييبها‭ ‬أو‭ ‬تعوض‭ ‬بخبرات‭ ‬زائفة،‭ ‬فيفتقر‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬النجاعة‭. ‬فالطقس‭ ‬والمناخ‭ ‬اللذان‭ ‬يشكلان‭ ‬مصدر‭ ‬الواردات‭ ‬المائية‭ ‬المسببة‭ ‬للفيضانات‭ ‬يشوب‭ ‬المعارف‭ ‬المتداولة‭ ‬بشأنهما‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬اللغط‭.‬

 

ما‭ ‬موقع‭ ‬المناخ‭ ‬فيما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬من‭ ‬فيضانات‭ ‬استثنائية،‭ ‬سيما‭ ‬بعد‭ ‬جفاف‭ ‬استفحل‭ ‬لعدة‭ ‬سنوات؟
موقع‭ ‬المناخ‭ ‬أساسي‭ ‬بالنسبة‭ ‬للفيضانات،‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬رطوبتُه،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬نظام‭ ‬التساقطات‭. ‬فبلادنا‭ ‬تتدرج‭ ‬فيها‭ ‬النطاقات‭ ‬المناخية‭ ‬من‭ ‬النطاق‭ ‬الصحراوي‭ ‬«مفرط‭ ‬القحولة»‭ ‬جنوب‭ ‬جبال‭ ‬الأطلس،‭ ‬إلى‭ ‬النطاق‭ ‬شبه‭ ‬الرطب‭ ‬«رطوبة‭ ‬ملحوظة،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬فصل‭ ‬جاف‭ ‬يسِمُه‭ ‬العجز‭ ‬المائي»‭ ‬في‭ ‬الكتل‭ ‬التضاريسية‭ ‬المرتفعة‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬«جزر»‭ ‬من‭ ‬النطاق‭ ‬الرطب‭ ‬في‭ ‬أجزائها‭ ‬العليا،‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬الأطلس‭ ‬المتوسط‭ ‬والأطلس‭ ‬الكبير‭ ‬والريف،‭ ‬مرورا‭ ‬بالنطاقين‭ ‬القاحل‭ ‬وشبه‭ ‬القاحل‭.‬


ومناخ‭ ‬المغرب‭ ‬تتصارع‭ ‬فيه‭ ‬مؤثرات‭ ‬من‭ ‬صنفين‭ ‬متجاورين‭ ‬وهما‭ ‬المناخ‭ ‬شبه‭ ‬المداري‭ ‬«المتوسطي‭ ‬عموما»‭ ‬والمناخ‭ ‬المداري‭ ‬«الصحراوي‭ ‬عموما»‭. ‬وهنا‭ ‬ينبغي‭ ‬تسجيل‭ ‬هيمنة‭ ‬طابع‭ ‬القحولة‭ ‬على‭ ‬مناخ‭ ‬بلدنا،‭ ‬وقوامها‭ ‬العجز‭ ‬المائي‭ ‬المستديم‭ ‬أو‭ ‬الموسمي،‭ ‬مع‭ ‬سمة‭ ‬أساسية‭ ‬وهي‭ ‬عدم‭ ‬الانتظام‭. ‬وتتجسد‭ ‬هذه‭ ‬السمة‭ ‬في‭ ‬التغايرية‭ ‬الطبيعية‭ ‬للمناخ‭ ‬«وليس‭ ‬التغير‭ ‬المناخي»‭ ‬تعبر‭ ‬عنها‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬الحرارة‭ ‬وفي‭ ‬التساقطات،‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬«الفصلي»‭ ‬كما‭ ‬على‭ ‬المديين‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل‭ ‬«سنوات‭ ‬وعقود،‭ ‬بل‭ ‬وقرون»‭.‬


عشنا‭ ‬فترات‭ ‬جفاف‭ ‬ولعل‭ ‬أبرزها‭ ‬لجيلنا‭ ‬هي‭ ‬الفترة‭ ‬الحالية‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬لحوالي‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬كسرها‭ ‬الموسم‭ ‬الحالي‭ ‬بأمطاره‭ ‬الغزيرة‭ ‬وثلوجه‭ ‬الوفيرة‭ ‬ورياحه‭ ‬القوية‭ ‬وبرودته‭ ‬الشديدة‭ ‬ولفترة‭ ‬ليست‭ ‬قصيرة،‭ ‬كما‭ ‬عاش‭ ‬آباؤنا‭ ‬وأجدادنا‭ ‬فترات‭ ‬تقلبات‭ ‬مماثلة‭. ‬والذي‭ ‬ينبغي‭ ‬التنبيه‭ ‬إليه‭ ‬مما‭ ‬يروج‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬التأويلات‭ ‬و«الخبرات»‭ ‬هو‭ ‬تطاول‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬المعرفي‭ ‬للإدلاء‭ ‬بتصريحات‭ ‬تكون‭ ‬أحيانا‭ ‬مجانبة‭ ‬للصواب‭. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬النشطاء‭ ‬والكتاب‭ ‬والصحفيين‭ ‬والسياسيين‭ ‬وغيرهم،‭ ‬يتحولون‭ ‬إلى‭ ‬«خبراء»‭ ‬ليفسروا‭ ‬الظواهر‭ ‬المتطرفة‭ ‬بتغير‭ ‬المناخ‭ ‬والاحتباس‭ ‬الحراري‭ ‬وغازات‭ ‬الدفيئة‭ ‬المنبعثة‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬البشرية‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ثنائي‭ ‬أكسيد‭ ‬الكربون‭ ‬والميثان‭... ‬ونسمع‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬الاستثنائية‭ ‬بأنها‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الاجتهادات‭ ‬غير‭ ‬المبنية‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬صحيح‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬برهنة‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬تخصصية‭.‬


فعبارة‭ ‬«غير‭ ‬مسبوق»‭ ‬لا‭ ‬تصح‭ ‬في‭ ‬المناخ،‭ ‬إذ‭ ‬المناخ‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬ليست‭ ‬بدايته‭ ‬هي‭ ‬عصر‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية،‭ ‬وإنما‭ ‬يمتد‭ ‬بجذوره‭ ‬قرونا،‭ ‬بل‭ ‬بضعة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬السنين‭ ‬حدثت‭ ‬خلالها‭ ‬كل‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬نعيشها،‭ ‬وبدون‭ ‬انبعاثات‭ ‬للغازات‭ ‬الدفيئة‭ ‬وبدون‭ ‬ثورة‭ ‬صناعية‭ ‬ولا‭ ‬وقود‭ ‬أحفوري‭. ‬أما‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬«بتزايد‭ ‬غازات‭ ‬الاحتباس‭ ‬الحراري»‭ ‬فلا‭ ‬يستطيع‭ ‬تفسير‭ ‬ظاهرة‭ ‬وتفسير‭ ‬نقيضها‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭ ‬«جفاف\فيضانات؛‭ ‬احترار\تبريد»‭. ‬الغازات‭ ‬الدفيئة‭ ‬المنبعثة‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬البشرية‭ ‬تزايدت‭ ‬عمليا‭ ‬نسبة‭ ‬تركزها‭ ‬في‭ ‬الجو‭ ‬بما‭ ‬قدره‭ ‬النصف‭ ‬(50 %)‭ ‬منذ‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية،‭ ‬لكن‭ ‬«معدل»‭ ‬حرارة‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬للكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬لم‭ ‬يرتفع‭ ‬سوى‭ ‬بحوالي‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عنها‭ ‬قليلا‭. ‬فهذا‭ ‬الاحترار‭ ‬لا‭ ‬تفسره‭ ‬الانبعاثات‭ ‬وحدها،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتعدّ‭ ‬عتبة‭ ‬التغايرية‭ ‬الطبيعية‭.‬


ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬غزارة‭ ‬في‭ ‬التساقطات‭ ‬نتجت‭ ‬عنها‭ ‬فيضانات‭ ‬في‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬ينبه‭ ‬إلى‭ ‬الاستيطان‭ ‬في‭ ‬المواضع‭ ‬غير‭ ‬الملائمة،‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬مراجعة‭ ‬عطوبية‭ ‬الأماكن‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العوارض‭ ‬الطقسية‭ ‬الاستثنائية‭ ‬«التي‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المناخ»‭. ‬وينبغي‭ ‬استيعاب‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬الظوهر‭ ‬بأنها‭ ‬احتمالية‭ ‬عشوائية،‭ ‬تحدث‭ ‬بلا‭ ‬قاعدة‭ ‬ولا‭ ‬انتظام،‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬الجفاف‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬كذلك‭ ‬بلا‭ ‬انتظام‭ ‬ولا‭ ‬تنبؤ،‭ ‬له‭ ‬بداية‭ ‬ونهاية،‭ ‬وليس‭ ‬محطة‭ ‬من‭ ‬محطات‭ ‬يوصل‭ ‬إليها‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬في‭ ‬خطابات‭ ‬تهويلية‭.‬


كما‭ ‬نسمع‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬الجفاف‭ ‬بأنه‭ ‬«أصبح‭ ‬ظاهرة‭ ‬بنيوية»‭ ‬وهذه‭ ‬رؤية‭ ‬مجانبة‭ ‬للصواب،‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط‭ ‬وهو‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬دائما‭ ‬كذلك‭. ‬ونجد‭ ‬في‭ ‬أرشيف‭ ‬البيئات‭ ‬القديمة‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬حدوث‭ ‬تقلبات‭ ‬مماثلة‭ ‬بتأثير‭ ‬العوامل‭ ‬الطبيعية،‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬المحرك‭ ‬الرئيس‭ ‬لدينامية‭ ‬المناخ‭.‬

 

ما‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬تكرار‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬حدته‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬وقوعه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى؟
المطلوب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬هو‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬المواضع‭ ‬المنخفضة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاستيطان،‭ ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬السهل‭ ‬كانت‭ ‬تنتشر‭ ‬فيه‭ ‬المستنقعات‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬قريب‭ ‬قبل‭ ‬بناء‭ ‬السد‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬واحتواء‭ ‬مجرى‭ ‬النهر‭ ‬قدر‭ ‬الإمكان‭ ‬وتشييد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬السدود‭ ‬والسدود‭ ‬التلية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحواض‭ ‬التي‭ ‬تتوفر‭ ‬على‭ ‬مواضع‭ ‬ملائمة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تجويد‭ ‬مبادرة‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الأحواض‭ ‬المائية‭ ‬لتشتغل‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الندرة‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬لتدبير‭ ‬الوفرة‭ ‬تجنبا‭ ‬للهدر‭ ‬المائي‭ ‬نحو‭ ‬البحر‭ ‬وتفاديا‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬السدود‭ ‬وعلى‭ ‬سافلاتها‭.‬