المصطفى قاسمي: الدولة والمجتمع في المغرب.. النخب، الديمقراطية والحكامة

المصطفى قاسمي: الدولة والمجتمع في المغرب..  النخب، الديمقراطية والحكامة المصطفى قاسمي

يشهد المغرب منذ بداية القرن الحادي والعشرين تحولاً متعدد الأبعاد يتميز بتحديث متسارع للبنية التحتية، واندماج تدري جي في الاقتصاد العالمي، والتزام مؤسساتي داخل المنظمات الدولية. ومع ذلك، فإن هذه الدينامية تتعايش مع هشاشة هيكلية تتعلق بالديمقراطية التمثيلية، والتأطير السياسي للشباب، وضعف الأحزاب، وازدواجية اجتماعية ومجالية مستمرة.
فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش في عام 1999، انخرط المغرب في سلسلة من الإصلاحات المؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية التي تهدف إلى تعزيز الاستقرار السياسي وتعزيز التنمية. تندرج هذه العملية ضمن منطق التحديث الذي تقوده الدولة، وبالرغم من هذه التطورات، لا يزال المجتمع المغربي يعاني من توترات مرتبطة بالمشاركة السياسية، وتمثيلية النخب، والفوارق الاجتماعية والمجالية.
كيف يمكن تفسير التعايش بين دولة حديثة ذات أداء فعال ومجتمع مجزأ سياسياً ومندمج بشكل غير متكافئ؟


أولاً: دولة استراتيجية في تحول: التحديث والإشعاع الدولي
1. الابتكار التكنولوجي والصناعة في حركة مستمرة
انخرط المغرب في مشاريع تكنولوجية طموحة، تجسدت في إطلاق أقمار صناعية وطنية (محمد السادس-أ وب)، مما عزز قدراته في المراقبة الأرضية والأمن الاستراتيجي. وبالتوازي مع ذلك، يعكس إنشاء مراكز مخصصة للذكاء الاصطناعي والابتكار (جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية UM6P، المغرب الرقمي 2025) رغبة في الانخراط في اقتصاد المعرفة.

على الصعيد الصناعي، تشهد البلاد دينامية ملحوظة في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، مما جعل المغرب منصة صناعية إقليمية.

2. الفلاحة الصناعية والبنية التحتية الراقية
تتجه الفلاحة المغربية تدريجياً نحو نموذج صناعي وتصديري، مدعوم بمخطط “المغرب الأخضر” ثم “جيل أخضر 2020-2030”.
وبالموازاة مع ذلك، يشكل تطوير بنية تحتية ذات مستوى عالمي (ميناء طنجة المتوسط، الطرق السيار، القطار فائق السرعة “البراق”، المطارات المحدثة، الشبكات الكهربائية ووسائل النقل الحضري الحديثة) رافعة أساسية للنمو والجاذبية الاقتصادية.

3. الاندماج الدولي والحكامة العالمية
يشارك المغرب بنشاط في المؤسسات الدولية، لا سيما في مجالات حقوق الإنسان، والتعاون جنوب-جنوب، والتنمية المستدامة. كما يتعاون بشكل وثيق مع الأمم المتحدة في تدبير نزاع الصحراء، مفضلاً حلاً سياسياً تحت رعاية الأمم المتحدة يقوم على مبادرة الحكم الذاتي.


ثانياً: مجتمع في حالة تباين: الهشاشة السياسية والاجتماعية
1. الشباب وعجز التأطير السياسي
بالرغم من ثقله الديموغرافي، لا يزال الشباب المغربي مستبعداً إلى حد كبير من هياكل المشاركة السياسية. ويعكس العزوف الانتخابي، وانعدام الثقة تجاه المؤسسات، وغياب قنوات فعالة للتنشئة السياسية أزمة تمثيلية.

2. الأحزاب السياسية والنقابات في تراجع
تعاني الأحزاب السياسية من عجز في الديمقراطية الداخلية، وضعف أيديولوجي، وتبعية تجاه الدولة. أما النقابات، التي كانت في السابق فاعلاً مركزياً في الوساطة الاجتماعية، فقد شهدت تراجعاً في نفوذها، مما قلل من قدرتها على التعبئة والتفاوض.

3. المجتمع المدني ومنطق الريع
إذا كان المجتمع المدني المغربي ديناميكياً من الناحية الكمية، فإنه غالباً ما يتعرض للانتقاد بسبب تبعيته للمنح العمومية، مما يحد من استقلاليته ودوره كسلطة  مضادة للتوفيق بين السلطة والحرية التي تعتبر اهم خصائص وميزات دولة القانون .
4. الجامعات وازدواجية المعرفة
يقدم النظام الجامعي المغربي ازدواجية قوية بين جامعات تقليدية ذات إمكانيات بحثية ضعيفة ومؤسسات حديثة موجهة نحو التميز العلمي. تساهم هذه الفجوة في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية وتجزئة النخب.

 

ثالثاً: المجال والنخب: مغرب بسرعتين
1. الفوارق المجالية
لا يزال التطور المجالي غير متكافئ، حيث يواجه مغرب حضري، متصل ومحدث، مناطق قروية وهامشية تعاني من نقص في التجهيزات والخدمات العمومية والفرص الاقتصادية.

2. نخبتان، مساران مختلفان
نلاحظ بروز نوعين من النخب:

    •    نخبة ملكية وتكنوقراطية: حديثة، معولمة، وحاملة للمشاريع الاستراتيجية الكبرى.
    •    نخبة اجتماعية وسياسية تقليدية: هشة، أقل تنافسية، وغالباً ما تكون منفصلة عن الديناميات العالمية.

تغذي هذه الازدواجية عجزاً في الوساطة بين الدولة والمجتمع.


خاتمة
يرتكز النموذج المغربي في الحكامة على دولة قوية، حديثة واستراتيجية، قادرة على قيادة مشاريع هيكلية وضمان الاستقرار. ومع ذلك، فإن ضعف الوسائط السياسية والاجتماعية، والتهميش النسبي للشباب، وعدم المساواة المستمرة، تحد من ترسيخ الديمقراطية.

يكمن التحدي الأكبر للمغرب في المصالحة بين تحديث الدولة والإدماج الاجتماعي، وهو شرط أساسي لحكامة مستدامة وديمقراطية فعلية.

الدكتور المصطفى قاسمي،أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري 
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.