الدكتور عبد الواحد غيات: الرأسمالية الزراعية الأمريكية: من الحقول إلى الهيمنة الجيوسياسية

الدكتور عبد الواحد غيات: الرأسمالية الزراعية الأمريكية: من الحقول إلى الهيمنة الجيوسياسية الدكتور عبد الواحد غيات

هل يمكن لحبة قمح أن تكون أداة هيمنة دولية؟

خلف وفرة الغذاء التي تملأ رفوف المتاجر العالمية، تختبئ منظومة معقدة من المصالح الاقتصادية والقوة الجيوسياسية تُعرف بـ«الرأسمالية الزراعية الأمريكية». لم تعد الزراعة في الولايات المتحدة نشاطًا ريفيًا تقليديًا، بل تحولت إلى صناعة استراتيجية متكاملة، تتقاطع فيها المختبرات العلمية مع بورصات المال، وتُستخدم فيها المحاصيل كسلاح نفوذ يعيد تشكيل العلاقات الدولية ويحدد مصائر الدول المستوردة للغذاء.

 

 

تعتبر الزراعة في الولايات المتحدة الأمريكية العمود الفقري للقوة الاقتصادية والسياسية للبلاد حيث لم تعد هناك مجرد نشاط ريفي بسيط بل تحولت عبر العقود إلى نظام رأسمالي صناعي متكامل يربط بين المختبرات العلمية المتطورة والحقول الشاسعة وبورصات المال العالمية في شبكة معقدة من المصالح، وهذا النظام لا يستهدف فقط سد الحاجة المحلية بل يطمح للهيمنة على الأسواق الدولية وتشكيل السياسة العالمية عبر بوابة الغذاء مما يجعل من دراسة هذا القطاع مدخلاً أساسياً لفهم كيف تدار القوة في العصر الحديث وما هي التكلفة الحقيقية للوفرة التي نراها على رفوف المتاجر الكبرى، فالأمر يتجاوز فكرة إنتاج المحاصيل ليصل إلى صناعة النفوذ الجيوسياسي وتوجيه المسارات الاقتصادية للدول النامية التي تجد نفسها مضطرة للتكيف مع المعايير الأمريكية للإنتاج والاستهلاك في ظل نظام عالمي شديد الحساسية لتقلبات العرض والطلب.

 

بدأت الرأسمالية الزراعية الأمريكية جذورها منذ القرن التاسع عشر مع حركة الاستيطان نحو الغرب وتوزيع الأراضي الشاسعة بموجب قوانين الحيازة الزراعية لكن التحول الهيكلي الحقيقي الذي نقلها من النمط العائلي إلى النمط الصناعي الرأسمالي حدث في أعقاب الحرب العالمية الثانية عبر مسارين متوازيين،

 

وهذا التحول أدى بالضرورة لظهور مفهوم "Agribusiness" الذي يصف دمج الإنتاج الزراعي مع عمليات التصنيع والتمويل والتوزيع في كيان اقتصادي واحد لا ينفصل تقوده المصالح الرأسمالية الكبرى العابرة للحدود

 

يقوم هذا النظام على ركائز تجعله متفوقاً وتنافسياً على مستوى العالم

في هذا النظام الصناعي لم يعد المزارع يمتلك القرار النهائي بشأن ما يزرعه أو كيف يبيعه بل تسيطر أربع شركات كبرى، تُعرف عالمياً بمجموعة "ABCD" وهي شركات "كارجيل وأرشر دانييلز ميدلاند وبونجي ولويس دريفوس" ،على أغلب تجارة الحبوب والزيوت في العالم حيث تمتلك هذه الشركات الموانئ والصوامع وسفن الشحن والمصانع، وهذه الشركات تتحكم في سلاسل الإمداد كاملة من الحقل إلى المائدة وتلعب دوراً حاسماً في تحديد الأسعار العالمية عبر "بورصة شيكاغو التجارية" مما يجعل المزارع الصغير مجرد حلقة ضعيفة في سلسلة توريد تسيطر عليها رؤوس الأموال الضخمة التي لا تعترف بالحدود الوطنية بل تتحرك وفق منطق الربح الأقصى والمضاربات المالية التي قد ترفع أسعار الغذاء في لحظات أو تهوي بها مما يؤثر على معيشة المليارات حول العالم ويخلق حالة من انعدام اليقين الغذائي للدول المستوردة التي تجد نفسها مضطرة للتفاوض مع هذه الكيانات الجبارة

 

تستخدم الولايات المتحدة فائض إنتاجها الزراعي كأداة ضغط استراتيجية في علاقاتها الدولية تحت مسمى الدبلوماسية الغذائية حيث يتم توجيه المعونات الغذائية ليس فقط لأهداف إنسانية نبيلة بل لتشكيل تحالفات سياسية وفتح أسواق جديدة للمنتجات الأمريكية وتغيير العادات الغذائية للشعوب، ولكن الملمح الأبرز في السياسة المعاصرة هو إدراك واشنطن أنها لم تعد ترغب في الاستمرار كحارس مجاني للتجارة العالمية أو ضامن لحرية الملاحة التي يستفيد منها المنافسون بقدر ما تستفيد هي، مما أدى لانكفاء تدريجي نحو سياسات "أمريكا أولاً" التي تضع حماية المزارع المحلي فوق استقرار الأسواق الدولية وتستخدم سلاح الغذاء بشكل أكثر مباشرة وصرامة بعيداً عن مبادئ العولمة المنفتحة، وهذه التبعية الغذائية جعلت الكثير من الدول النامية تعتمد بشكل كلي على الإمدادات الأمريكية مما يضع قرارها الوطني تحت رحمة التوريدات القادمة عبر المحيطات في ظل نظام عالمي بدأ يفقد فيه "الحارس الأمريكي" رغبته في ضمان انسيابية الغذاء للجميع إلا وفق شروط جيوسياسية محددة تضمن مصالحه الأمنية والاقتصادية

 

تتجاوز تأثيرات الرأسمالية الزراعية الأمريكية حدود القارة لتشكل ملامح الاقتصاد العالمي برمته حيث تلعب الولايات المتحدة دور "المحدد السعري" للمواد الغذائية الأساسية مما يجعل تكلفة الغذاء مرتبطة مباشرة بقرارات واشنطن، وهذا النفوذ يتجلى في ظاهرة "الإغراق السلعي" التي تحدث عندما يتم تصدير الفائض بأسعار مدعومة حكومياً مما يؤدي لتحطيم المزارعين المحليين في الدول النامية وتحويل دولهم من الاكتفاء الذاتي إلى التبعية الاستيرادية، كما أن ربط الأمن الغذائي العالمي بالدولار وبورصة شيكاغو يضع الدول الفقيرة تحت ضغط مزدوج يتمثل في تقلبات الأسعار وتذبذب أسعار صرف العملات مما يؤدي لأزمات تضخم حادة وهزات اجتماعية، إضافة إلى ذلك تفرض هيمنة الشركات الأمريكية على تكنولوجيا البذور نظاماً اقتصادياً قائماً على "حقوق الملكية الفكرية" الحصرية التي تجبر المزارعين على شراء البذور سنوياً مما يستنزف العملات الصعبة للدول النامية ويعزز من تركز الثروة في يد القلة الاحتكارية

 

رغم النجاح المبهر في تأمين كميات ضخمة من الغذاء الرخيص نسبياً إلا أن هذا النموذج يواجه انتقادات حادة تتعلق بالتآكل البيئي واستنزاف المياه الجوفية وتدهور خصوبة التربة بفعل الزراعة المكثفة والكيماويات، كما أدى هذا النظام لاندثار المزارع العائلية وتهجير سكان الريف بعد عجزهم عن منافسة الشركات الكبرى مما خلق خللاً اجتماعياً وديموغرافياً، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي النوعي حيث يتم التركيز على محاصيل معينة لإنتاج الوقود الحيوي أو أعلاف الماشية بدلاً من الاستهلاك البشري المباشر مما يرفع أسعار الحبوب الأساسية ويهدد الفئات الأكثر فقراً في العالم التي تعتمد على هذه الحبوب للبقاء في ظل مناخ عالمي مضطرب

 

نحن اليوم على أعتاب ثورة جديدة ستحول الحقول إلى مختبرات رقمية حية حيث ستلعب الطائرات بدون طيار والروبوتات ذاتية القيادة والمستشعرات الدور الأساسي في مراقبة وجني المحاصيل بناءً على تحليلات الذكاء الاصطناعي، وهذا التوجه سيعزز من سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى على القطاع الزراعي مما يطرح تحديات جديدة حول خصوصية البيانات وسيادة المزارع على أرضه، لكنه في المقابل قد يوفر حلولاً تقنية لمواجهة التغير المناخي عبر ترشيد استهلاك الموارد وزيادة الإنتاجية في مساحات أقل مما يجعل الرأسمالية الزراعية في حالة تجدد دائم ومستمر لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين وضمان استمرار تدفق الأرباح والمنتجات في آن واحد تحت غطاء التطور الرقمي

 

الخاتمة والآفاق المستقبلية

إن الرأسمالية الزراعية الأمريكية هي قصة نجاح تكنولوجي وتنظيمي مذهل لكنها تظل محملة بالتناقضات الصارخة حيث نجحت في إطعام الملايين وتأمين وفرة غذائية غير مسبوقة لكنها جعلت النظام الغذائي العالمي رهيناً لتقلبات السوق وقوة الشركات الكبرى والمصالح السياسية الضيقة، وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة والاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها مناطق الإنتاج والعبور يبقى السؤال الجوهري حول مدى استدامة هذا النموذج وقدرته على التحول نحو نمط أكثر عدلاً ورفقاً بالبيئة دون التضحية بالوفرة المطلوبة لعالم متزايد السكان يطمح للعيش بكرامة وأمان غذائي بعيداً عن تقلبات البورصة وسيطرة الاحتكارات التي لا تعرف الحدود