فؤاد إبن المير
شكل دستور 2011 محطة مفصلية في التاريخ السياسي المغربي، ليس فقط من حيث توسيع الحقوق والحريات، وإنما من حيث إعادة تنظيم العلاقة بين السلط والمؤسسات بطريقة توازن بين الديمقراطية والاستقرار. فقد جاء هذا الدستور بعد سنوات من نقاشات سياسية واجتماعية مكثفة، وسعى إلى الاستجابة لمطالب المجتمع المدني وتوسيع المشاركة السياسية، مع ترسيخ ثقافة دستورية حديثة.
- خلفية تاريخية ودستورية
منذ الاستقلال، عرف المغرب سلسلة من الدساتير التي حاولت تنظيم العلاقة بين السلط. دستور 1962، على سبيل المثال، منح الملك سلطة تنفيذية واسعة وأضفى على المؤسسة الملكية طابعًا مركزيًا في السلطة.
مع مرور الوقت، ظهرت الحاجة إلى إصلاحات تدريجية لتعزيز المشاركة السياسية وضمان الرقابة على السلطة التنفيذية، وهو ما ظهر جليًا في الدساتير الصادرة بين 1970 و1996.
لكن هذه الدساتير السابقة كانت غالبًا جزئية ولم تعالج بالكامل قضايا الفصل بين السلط، ما أدى إلى أزمات سياسية بين الحكومة والبرلمان، وأحيانًا بين المواطن والدولة. في هذا السياق، جاءت الاحتجاجات الشعبية خلال حراك 20 فبراير 2011 لتشكل ضغطًا على المؤسسات، وهو ما أدى إلى إطلاق إصلاح دستوري شامل يركز على الحقوق والحريات والمساءلة.
- فلسفة دستور 2011 وروحه
يتميز دستور 2011 بكونه دستورًا تأسيسيًا شاملاً يعيد توزيع السلطات بطريقة متوازنة، حيث أصبح للملك صلاحيات تنفيذية محدودة نسبيًا مقارنة بالماضي، مع تعزيز دور البرلمان والحكومة في صنع السياسات العامة.
كما وضع الدستور المواطن في قلب العملية الدستورية، من خلال توسيع المشاركة السياسية وضمان الحقوق الأساسية، وهو ما يعكس وعيًا متقدمًا بأهمية الفصل بين السلط وحماية الحقوق الفردية والجماعية.
محاور أساسية في فلسفة دستور 2011:
•الفصل بين السلط الثلاث: التنفيذية، التشريعية، والقضائية، تعزيز دور البرلمان في مراقبة الحكومة، تعزيز الرقابة القضائية على القوانين وسياسات السلطة التنفيذية، حماية الحقوق الفردية والجماعية وتوسيع الحريات العامة.
- توسيع الحقوق والحريات
ركز دستور 2011 على حماية الحقوق الفردية والاجتماعية، بما يشمل:
•حقوق مدنية وسياسية: حرية التعبير، حق التنظيم النقابي والسياسي، حرية الصحافة، وحق المشاركة في الانتخابات.
•حقوق اقتصادية واجتماعية: الحق في التعليم، الصحة، الشغل اللائق، والسكن.
•حقوق النساء والأقليات: تعزيز المساواة بين الجنسين وحماية حقوق الفئات الضعيفة، بما في ذلك الأطفال وكبار السن.
- المؤسسات وآليات الرقابة الدستورية
من أبرز التحولات التي أتى بها دستور 2011 هو تحويل المجلس الدستوري إلى المحكمة الدستورية، مع توسيع صلاحياتها لتشمل: الرقابة على دستورية القوانين قبل وبعد صدورها، حماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، حل النزاعات بين المؤسسات المختلفة بما يضمن التوازن بين السلط.
هذا التحول يعكس فلسفة جديدة في التعامل مع الدستور، حيث أصبح القضاء الدستوري ليس مجرد هيئة فنية، بل ركيزة أساسية لحماية استقرار الدولة والحقوق، وضمان التوازن المؤسسي.
أمثلة على تطبيق الرقابة الدستورية منذ 2011:
•مراقبة دستورية مشاريع القوانين قبل التصويت عليها، الفصل في النزاعات بين البرلمان والحكومة حول صلاحيات التشريع والتنفيذ، حماية الحقوق الفردية، مثل حرية التعبير وحق التنظيم السياسي.
- تأثير الدستور على الحوكمة والمؤسسات
أدى دستور 2011 إلى تعزيز حوكمة رشيدة تقوم على الشفافية والمساءلة، حيث أصبح لكل مؤسسة حدود واضحة وصلاحيات محددة.
•الملك: يبقى رأس الدولة، لكن صلاحياته التنفيذية محددة وواضحة.
•الحكومة: مسؤولة أمام البرلمان، مع آليات رقابية فعالة.
•البرلمان: أصبح قادرًا على مساءلة الحكومة ومراجعة السياسات العامة بفعالية.
•القضاء: مستقل ويؤدي دورًا رقابيًا فاعلًا عبر المحكمة الدستورية.
- تحليل مقارن
عند مقارنة المغرب بالدول العربية الأخرى بعد الربيع العربي، يظهر دستور 2011 كأحد أكثر الدساتير توازنًا، حيث جمع بين استقرار الدولة وتوسيع الحقوق والحريات، بعكس بعض التجارب التي أدت فيها الإصلاحات السريعة إلى أزمات سياسية أو نزاعات مؤسسية.
- خاتمة
يمكن القول إن دستور 2011 يمثل نقلة نوعية في المغرب الدستوري، حيث جمع بين توسيع الحقوق والحريات، وضبط العلاقة بين السلط، وترسيخ ثقافة الرقابة القانونية والمؤسسية. وهو يضع المواطن في مركز النظام، ويجعل من القضاء الدستوري ركيزة لضمان التوازن المؤسسي وحماية الحقوق.
Maurice Duverger, Institutions politiques et droit constitutionnel (1965)
• عبد الله ساعف، الدستور والتحول السياسي في المغرب (2014)
• عبد الإله بلقزيز، الدولة والدستور في العالم العربي (2016)
• Dominique Rousseau, Droit du contentieux constitutionnel (2011)
• Hans Kelsen, La garantie juridictionnelle de la Constitution (1928)
• أحمد الخمليشي، القضاء الدستوري المغربي: التطورات والرهانات (2018)
• Montesquieu, De l’esprit des lois (1748)
• Louis Favoreu, Les cours constitutionnelles (2007)
فؤاد إبن المير باحث في القانون العام والسوسيولوجيا