عمر المصادي
منذ عقود، تعيش منطقة شمال إفريقيا على وقع مفارقة صارخة: إمكانات اقتصادية وبشرية هائلة، مقابل مستويات متواضعة من الاندماج الإقليمي والتنمية المشتركة. وبين هذين القطبين، يبرز عامل أساسي لا يمكن تجاهله، يتمثل في استمرار نزاع إقليمي مفتعل، ساهم بشكل مباشر في شلّ التعاون المغاربي وإعاقة مسارات التنمية.
لقد كان من المفترض أن يشكّل الاتحاد المغاربي أحد أنجح تكتلات التعاون الإقليمي في العالم النامي، غير أن هذا المشروع ظلّ حبيس البيانات منذ تأسيسه، نتيجة سياسات قائمة على الصراع بدل الشراكة. وفي هذا السياق، يُوجَّه قدر كبير من الانتقاد إلى النظام العسكري الجزائري، الذي اختار دعم جبهة البوليساريو الإرهابية سياسيًا وماليًا وعسكريًا، رغم التداعيات الخطيرة لهذا الدعم على الاستقرار الإقليمي.
إن إطالة أمد النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية لم تكن مجرد خلاف سياسي، بل تحوّلت إلى عامل معيـق للتنمية الاقتصادية بدول المنطقة؛ فقد أدى إغلاق الحدود، وتعطيل المبادلات التجارية، وغياب التنسيق الأمني والاقتصادي، إلى خسائر تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويًا، كان من الممكن استثمارها في خلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي.
ولم يقتصر تأثير هذه السياسات على الجانب الاقتصادي فحسب، بل امتد إلى البعد الأمني. فالمناطق التي تعيش على وقع نزاعات طويلة الأمد تصبح، بحكم الواقع، بيئات هشّة قابلة للاختراق من طرف شبكات الجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة. وقد حذّرت تقارير دولية متكررة من مخاطر تداخل النزاعات الانفصالية مع أنشطة التهريب والإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، ما يجعل دعم الحركات الانفصالية مسؤولية سياسية وأمنية جسيمة.
في هذا الإطار، يطرح عدد متزايد من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين سؤال المساءلة: هل يمكن الاستمرار في تجاهل الكلفة الحقيقية لهذه السياسات على شعوب شمال إفريقيا؟ وهل من المقبول أن تتحمل دول المنطقة تبعات قرارات أحادية تسببت في تعطيل التنمية وإطالة أمد عدم الاستقرار؟
إن الدعوة إلى مطالبة النظام العسكري الجزائري بتحمّل مسؤوليته، بما في ذلك التعويض عن الأضرار الاقتصادية والتنموية، لا ينبغي فهمها كدعوة للتصعيد، بل كطرح سياسي وقانوني مشروع، يستند إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالدول، كما الأفراد، مطالَبة بتحمّل نتائج خياراتها، خاصة عندما تكون لهذه الخيارات انعكاسات إقليمية واسعة.
وفي زمن تتزايد فيه الدعوات إلى تعزيز التعاون جنوب–جنوب، وإلى بناء تكتلات إقليمية قادرة على مواجهة الأزمات العالمية، يبدو الإصرار على منطق الحرب الباردة الإقليمية خيارًا مكلفًا وغير قابل للاستمرار. فشعوب شمال إفريقيا لا تحتاج إلى نزاعات جديدة، بل إلى استقرار، وتنمية، وأفق اقتصادي يليق بإمكاناتها.
إن تجاوز هذا الوضع يمرّ حتمًا عبر مراجعة جذرية للسياسات التي غذّت التوتر لعقود، والانتقال من منطق الدعم غير المشروط للنزاعات الانفصالية إلى منطق الحلول السياسية الواقعية، القائمة على الحوار واحترام سيادة الدول وخدمة مصالح الشعوب.
فهل يشهد المستقبل القريب بداية هذا التحول، أم ستظل المنطقة رهينة حسابات ضيقة يدفع ثمنها المواطن البسيط؟ سؤال يبقى مفتوحًا، لكن الإجابة عنه ستحدد ملامح شمال إفريقيا لعقود قادمة.