حميد غونو: الفيضانات، بين حضور الدولة وغياب السياسة

حميد غونو: الفيضانات، بين حضور الدولة وغياب السياسة حميد غونو

في كل مرة تختبر فيها الطبيعة صبر المغاربة، تختبر معه أيضا جاهزية الدولة، وعمق علاقتها بمواطنيها. ما تعرفه مناطق شمال البلاد من فياضانات يعيد إلى الذاكرة بعض الصور المحفورة في الوجدان الجماعي، لعل أقربها زمنيا فعالية تدخل الدولة في مواجهة جائحة كورونا، وتعبئتها الشاملة بعد زلزال الحوز، وأيضا ذلك القلق الوطني النبيل الذي رافق مأسات الطفل ريان، حيث تحولت بئر ضيقة إلى قضية أمة، بمتابعة شخصية وحثيتة من الملك محمد السادس.
 

فقد أظهرت هذه الفياضانات قدرة الدولة على التدخل السريع والإستباقي من خلال تعبئة أجهزتها ومؤسساتها في منطق وقائي ومنظم. لقد كان حضور الدولة فعليا و ميدانيا يعكس تطور ٱلية التدبير العمومي، وقدرتها على التعامل مع الطوارئ الطبيعية؛ في المقابل بدا الحضور السياسي والتمثيلي محدودا ومحتشما، إن لم يكن قليلا وغائبا في كثير من الحالات، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال الدور  الحقيقي للمنتخب والفاعل الحزبي في لحظات الشدة.
 

هذا التفاوت في الحضور لا يمكن قراءته بوصفه تفوقا للدولة على السياسة، بقدر ما يعكس هشاشة الوسيط السياسي، فالدولة القوية عنصر استقرار، لكن السياسة الغائبة عنصر قلق، مع الإعتراف  بأن حالة الإستعجال لمواجهة الطوارئ تعطي السبق والأولوية في التدخل للدولة قبل أي طرف ٱخر. 
 

ومع تراكم مثل هذه اللحظات، قد يتشكل وعي مجتمعي، يعتبر أن التدبير ممكن دون الحاجة إلى تمثيل، وأن الفعل العمومي قد لايحتاج بالضرورة إلى وساطة سياسية، وهو منطق يحمل في طياته مخاطر حقيقية على المدى المتوسط والبعيد، خصوصا أمام  تكدس الصور النمطية التي التصقت بالمنتخب،  والتي غالبا لاتسر. 
 

مثل هذا الوضع لاينبع من فراغ، رغم أن الدستور والقوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية  تعطي هذه الأخيرة  اختصاصات واسعة على مستوى التدبير المحلي، ولكن على مستوى تدخلها في تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية تبقى دون المستوى المطلوب، وفقط في إطار صلاحيات الشرطة الإدارية، الممنوحة لرئيس المجلس الجماعي. 
 

فقد شدد جلالة الملك في أكثر من خطاب على ضرورة تخليق الحياة السياسية، والإرتقاء بأداء المنتخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة كمبدإ دستوري، حيث شكلت هذه التوجيهات دعوة واضحة إلى تجاوز منطق التبرير والإنتظارية نحو منطق الفعل والمسؤولية.
 

هذا الوضع يلقى  مايبرره في تراجع دور الأحزاب نفسها ، على مستوى تأطير منتخبيها، أو اقتراح الحلول العملية والإجابة على الإشكاليات المطروحة لإعطاء نفس سياسي حقيقي للديمقراطية،  أوعلى مستوى قدرة هذه الأحزاب  على المساهمة في إدارة وتأطير المشهد السياسي، وقدرتها على تشكيل وعي مؤسساتي  بالرسائل السياسية التي من المفترض أن تأثت بها مشاريعها المجتمعية. 
 

فقد لاحظ الجميع أنه بينما كانت الدولة تصارع الماء والطين، وتعيد ترتيب الأشياء بحس المستعجل المسؤول، كانت الأحزاب في الأسبوع نفسه، أو في نهايته،  تجرب السباحة في الهواء، بإثارة مواضيع خارج السياق لاتبتل، حين  تقادفت البلاغات والتصريحات، في تراشق إعلامي مبكر، وحمى إنتخابية قبل الأوان، ونقاش قديم جديد سفسطي عن أهمية  التمكين النسائي، بعد طول تجربة دستورية تعطي أهمية لمقاربة النوع،  ومطالب فجائية  عن أهمية الشباب في السياسة،  تلقى بنبرة من اكتشف النار صدفة، أو كمن حضر عرسا بلا دعوة، ثم تفاوض طويلا على حقه في إحضار أطفاله. وفي كلتا الحالتين إدانة ذاتية  للأحزاب نفسها،  لان المرأة مازالت تحسب ضيفة طارئة على السياسة، ولأن الشباب  يحتاج  هو الٱخر تأشيرة الولوج إلى السياسة من موميات الأحزاب  اللائي ملأن المشهد، وأغلقت الأفق. 
 

إن مستقبل التجربة الديمقراطية في بلادنا رهين بقدرة السياسة على استعادة معناها العملي، والإلتحاق بإيقاع الدولة، والإنخراط في منطق الفعل، لا الإكتفاء بشرعية الصندوق، وإلا فإن أخطر ماقد نواجهه مستقبل ليس ضعف الدولة، بل تٱكل السياسة في وعي المجتمع، وهو تٱكل يصعب ترميمه،  وقد يتحول إلى قناعة راسخة لدى غالبية الناس.