خالد الغاز، رئيس مصلحة التوقعات العامة بالمديرية العامة للأرصاد الجوية
في هذا الحوار، يوضح خالد الغاز، رئيس مصلحة التوقعات العامة بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، الخلفيات العلمية والفنية لنظام التوقعات الجوية بالمغرب، مميزًا بين الظواهر الجوية والفيضانات كظاهرة هيدرولوجية، ومستعرضًا منظومات الرصد المتطورة المعتمدة، من رادارات وأقمار صناعية ونماذج عددية وخبرة بشرية. كما يتطرق لأسباب تمركز الفيضانات بالشمال الغربي للمملكة، وآليات التنسيق مع السلطات العمومية، ومعايير اليقظة المعتمدة، إضافة إلى قراءة علمية للحالة الجوية المرتقبة خلال الأيام المقبلة.
إلى أي حد يمكن اليوم اعتبار نظام التوقعات الجوية بالمغرب فعالًا ودقيقًا في رصد الظواهر الجوية القصوى، خاصة الفيضانات؟
للتوضيح أولًا، فإن الفيضانات ليست ظاهرة جوية في حد ذاتها، صحيح أن الظواهر الجوية، وعلى رأسها التساقطات المطرية الغزيرة، هي السبب الرئيسي في حدوث الفيضانات، غير أن الفيضانات تبقى ظاهرة هيدرولوجية وليست جوية. وبالتالي، فإن توقع الفيضانات وحدودها لا يندرج ضمن الاختصاص المباشر للمديرية العامة للأرصاد الجوية.
وتتمثل مهام المديرية العامة للأرصاد الجوية أساسًا في توقع الظواهر الجوية القصوى التي قد تتسبب في الفيضانات. ومن بين هذه الظواهر، التساقطات المطرية الغزيرة التي تكون غالبًا خلال فصل الشتاء، حيث تكون الأمطار مستمرة على طول اليوم وقد تمتد لعدة أيام متتالية، وهو نمط جوي معروف بتسببه في الفيضانات، كما هو الحال حاليًا بالشمال الغربي للمملكة.
وفي المقابل، هناك ظواهر جوية أخرى ترتبط أكثر بفصل الصيف، حيث تكون التساقطات محلية ومركزة في زمن وجيز، وتؤدي إلى نوع خاص من الفيضانات يسمى (Flash Floods – inondations éclair).
وفيما يخص نظام التوقعات، فإن المديرية العامة للأرصاد الجوية راكمت سنوات طويلة من العمل والتطوير، ويجري تحسين هذا النظام بشكل مستمر، ما يمكننا من التنبؤ بنسبة نجاح معتبرة بالتساقطات المرتقبة، سواء كانت قوية أو معتدلة أو ضعيفة، إضافة إلى الأمطار العاصفية التي تميز فصل الصيف.
وبطبيعة الحال، فإن هذه التوقعات لا يمكن أن تبلغ نسبة 100%، كما هو الحال بالنسبة لجميع مصالح الأرصاد الجوية عبر العالم، غير أن نسبة النجاح التي نحققها تظل معتبرة ومحترمة جدًا.
هل تتوفر المديرية العامة للأرصاد الجوية على منظومة رصد وتوقع متطورة (رادارات، أقمار صناعية، محطات قياس أوتوماتيكية) قادرة على استشعار المخاطر في وقت مبكر؟
يمكن القول إن المديرية العامة للأرصاد الجوية تتوفر على منظومة متكاملة للرصد والتوقع. فلدينا شبكة من الرادارات الجوية، ورغم أنها لا توفر بعد تغطية كاملة بنسبة 100% للتراب الوطني، فإنها تؤمن حاليًا أكثر من 70% من التغطية، مع وجود هدف واضح يتمثل في بلوغ التغطية الشاملة في المستقبل القريب.
كما نعتمد على الأقمار الصناعية التي توفر لنا معطيات تقنية مهمة، من بينها ما يعرف بـ (Les canaux satellitaires) التي تمكننا من المراقبة اللحظية للحالة الجوية (Monitoring).
إضافة إلى ذلك، نتوفر على محطات قياس أوتوماتيكية ومحطات سينوبتيكية (Stations synoptiques) منتشرة على الصعيد الوطني، ويتم تعزيز عددها سنة بعد أخرى. كما نستفيد من معطيات محطات تابعة لشركاء المديرية العامة للأرصاد الجوية، في إطار التعاون وتقاسم المعلومة الرصدية، ما يساهم في تجويد منظومة الرصد والتوقع. وبشكل عام، فإن المديرية تعتمد أحدث ما هو متوفر في مجال القياس والرصد الجوي.
وإلى جانب منظومة الرصد، فإن الإنذار المبكر لا يعتمد فقط على الرادارات والأقمار الصناعية، بل كذلك على النماذج العددية (Modèles numériques) التي تمكننا من توقع تطور الحالة الجوية خلال الأيام المقبلة، إضافة إلى الخبرة البشرية، التي تبقى عنصرًا حاسمًا.
فهذه المعطيات التقنية لا تكون كافية لوحدها دون وجود خبرة بشرية قادرة على استغلالها، وتفهم خصوصيات المناخ والطقس المغربي، وكذا الأبعاد السوسيو-اجتماعية المرتبطة بالمخاطر. وهذه الخبرة البشرية هي التي تضفي على المنتوج النهائي بعدًا من الخبرة المتخصصة (Expertise).
وهنا يكمن الفرق بين التوقعات المتداولة في بعض التطبيقات الرقمية، وبين التوقعات الرسمية للأرصاد الجوية، إذ لا يوجد نموذج عددي مثالي بنسبة 100%، والخبرة البشرية هي التي تقيم مدى موثوقية النموذج في وقت ومكان محددين، وتقوم عند الاقتضاء بتصحيح المعطيات.
كيف يتم توظيف هذه الوسائل التقنية في الإنذار المبكر، وما مستوى التنسيق مع السلطات العمومية وقطاعات التدبير الترابي؟
جميع الوسائل التقنية المتوفرة لدى الأرصاد الجوية تُمكننا من استشعار الظواهر الجوية، خاصة القصوى منها، وإصدار توقعات دقيقة. وبناءً على ذلك، نقوم يوميًا بإعداد نشرات جوية يتم بثها عبر مختلف وسائل الإعلام، إضافة إلى نشرات الإنذار واليقظة.
وتُصنّف مستويات اليقظة وفق ألوان: الأخضر، الأصفر، البرتقالي، والأحمر، ويتم تحيين هذه النشرات ثلاث مرات يوميًا على الأقل.
وبعد إصدار هذه النشرات، يتم إشعار الشركاء، وعلى رأسهم السلطات العمومية، خصوصًا عبر خريطة اليقظة الترابية. ويخضع هذا العمل لإطار قانوني وتنظيمي واضح، يحدد مسؤوليات كل طرف والتدابير الواجب اتخاذها عند تسجيل ظواهر جوية قصوى.
من الناحية العلمية والمناخية، لماذا تسجل الجهة الشمالية الغربية (اللوكوس، الغرب، الريف) أعلى معدلات الفيضانات مقارنة بباقي مناطق المغرب؟
يرتبط ذلك أساسًا بالموقع الجغرافي للمغرب. ففي فصل الشتاء، تتأثر بلادنا بموجات قادمة من شمال المحيط الأطلسي، تعرف بـ (Ondes)، وتمتد نحو جنوب أوروبا وشمال المغرب.
ويمتد فصل الشتاء تقريبًا من أكتوبر إلى غاية مارس، وأحيانًا أبريل، ما يجعل شمال المغرب المنطقة الأكثر تسجيلاً للتساقطات المطرية، وبالتالي الأكثر عرضة للفيضانات، خاصة بمناطق اللوكوس والغرب والريف.
وهي ظاهرة طبيعية تميز فصل الشتاء، في حين تتراجع هذه الموجات خلال فصل الصيف، لتحل محلها ظواهر أخرى مرتبطة بالحرارة والعواصف الرعدية، خاصة بالمناطق الجبلية والجنوب الشرقي والصحراء.
هل تتوفر الأرصاد الجوية على قاعدة بيانات أو كرونولوجيا دقيقة للفيضانات التي عرفها المغرب خلال الثلاثين سنة الأخيرة؟
هذا السؤال يهم أساسًا الجهات المكلفة بتدبير الشأن المائي، خصوصًا وكالات الأحواض المائية (Agences de bassins hydrauliques).
ومع ذلك، فإن الأرصاد الجوية تتوفر على قاعدة بيانات دقيقة للتساقطات المطرية الاستثنائية منذ بدء تشغيل محطات الرصد، وغالبًا ما تكون هذه التساقطات مصحوبة بفيضانات.
أما توثيق الفيضانات في حد ذاتها، فيبقى خارج الاختصاص المباشر للمديرية العامة للأرصاد الجوية، ويقع ضمن مسؤولية قطاعات أخرى.
كيف يتم استثمار هذه المعطيات التاريخية في تحسين نماذج التوقع وتقليص المخاطر المستقبلية؟
تُستثمر هذه المعطيات التاريخية في تحديد عتبات اليقظة المعتمدة في خرائط الإنذار. فالانتقال من لون إلى آخر (أخضر، أصفر، برتقالي، أحمر) يخضع لقيم مرجعية مستمدة من التاريخ المناخي.
ويعتمد ذلك على مفهوم (Période de retour) الذي يحدد دورية تكرار الظواهر، فظاهرة تتكرر كل 15 أو 20 سنة تعتبر قوية، بينما الظواهر السنوية تعد اعتيادية. وتبرز هنا أهمية المعطيات التاريخية في تقدير مستوى الخطورة بدقة.
ما هي أبرز ملامح الحالة الجوية المرتقبة خلال الأيام القادمة؟ وهل نحن أمام وضعية اعتيادية أم حالة تستوجب اليقظة؟
ابتداءً من يوم الاثنين وإلى غاية يوم الجمعة على الأقل، يُرتقب تسجيل تساقطات مطرية مهمة خاصة بالشمال الغربي للمملكة. ومن المنتظر أن تصل كميات الأمطار إلى حوالي 100 ملم في بعض المناطق، خصوصًا الريف ومنطقة شفشاون والمناطق الجبلية بتطوان. وتستوجب هذه الوضعية يقظة خاصة وحذرًا كبيرًا، لاسيما في المناطق المتضررة مثل مدينة القصر الكبير، حيث اضطر عدد من المواطنين إلى مغادرة منازلهم نتيجة ارتفاع منسوب وادي اللوكوس.
ونسأل الله أن تمر هذه الظرفية بسلام ولطف على جميع المواطنين.