مشهد فيضان بالقصر الكبير إلى جانب حليمة جنيد، أستاذة باحثة بجامعة الحسن الثاني، كلية العلوم عين الشق
في ظل الارتفاع القياسي لمنسوب المياه بعدد من السدود الكبرى، وعلى رأسها سدّ الوحدة، وتزايد المخاوف من مخاطر الفيضانات، يطرح الرأي العام تساؤلات ملحّة حول الوضع الحقيقي للأحواض المائية، وفعالية أنظمة الإنذار المبكر، ودور السياسات المائية في الحد من المخاطر.
في هذا الحوار، تُقدّم حليمة جنيد، أستاذة باحثة بجامعة الحسن الثاني، كلية العلوم عين الشق، والكاتبة العامة للجمعية الدولية للهيدروجيولوجيين – فرع المغرب، وعضوة الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة، قراءة علمية للوضع الهيدرولوجي الراهن، وتفكك العوامل الطبيعية والبشرية التي تُفاقم مخاطر الفيضانات بالمغرب.
هل يُشكّل ارتفاع منسوب المياه بسدّ الوحدة وباقي السدود الكبرى خطرًا فعليًا على المدن والمناطق المجاورة لها، خصوصًا بمنطقة الغرب؟
يُعدّ سدّ الوحدة أكبر خزان مائي بالمغرب، بسعة استيعابية تصل إلى 3.5 مليارات متر مكعب. ووفق المعطيات الرسمية، فقد بلغت نسبة الملء حاليًا حوالي 90.9%، أي ما يفوق 3 مليارات متر مكعب من المياه.
هذا الوضع يفرض اللجوء إلى تفريغ الحمولة، وهو إجراء ضروري للحفاظ على منشآت السد وتفادي الخطر الأكبر المتمثل في احتمال تضرر أو تحطم البنيات، لا قدّر الله. فعملية تفريغ الحمولة تُعد إجراءً وقائيًا لحماية المنشآت وضمان سلامتها.
غير أن هذا التفريغ قد يُشكّل ضغطًا على الحوض السفلي، إذ إن الاستجابة الطبيعية للأحواض المائية تكون أحيانًا أبطأ من حجم المياه المُفرغة. كما أن هناك عوامل أخرى تُفاقم خطر الفيضانات في المناطق السفلى، أغلبها مرتبط بالأنشطة البشرية؛ من توسّع عمراني غير مضبوط، والقضاء على الغطاء النباتي والغابات لفائدة العمران، ووجود بناء عشوائي أو أحياء غير نظامية تفتقر إلى التطهير السائل أو أنظمة تصريف المياه الملائمة.
إضافة إلى ذلك، هناك إهمال واضح للمنظومات الإيكولوجية، مثل المناطق الرطبة، رغم دورها الحيوي في تنظيم المياه، فهي تمتص المياه عند الوفرة، وتوفّر مخزونًا مائيًا يُستفاد منه خلال فترات الجفاف. القضاء على هذه المنظومات، في إطار التوسع العمراني، والفلاحة المكثفة، وإزالة الغطاء النباتي، وعدم العناية بجوانب الأودية والأحواض من حيث التشجير واحترام المجالات القانونية للبناء والأنشطة، كلها عوامل تُعمّق مخاطر الفيضانات.
فالفيضانات الطبيعية لا يمكن التحكم فيها باعتبارها ظاهرة طبيعية، لكن يمكن التحكم في الأنشطة البشرية وآثارها السلبية التي تُفاقم هذه المخاطر.
ما هو الوضع الراهن للأحواض المائية من حيث نسب التشبّع، وهل يتوفر المغرب على أنظمة إنذار مبكر؟
فيما يخص أنظمة الإنذار، يتوفر المغرب على الاستراتيجية الوطنية لتدبير المخاطر والكوارث الطبيعية 2020–2030، التي تضم عدة برامج، من بينها برامج أنظمة الإنذار المبكر.
هذه الأنظمة موجودة على مستوى الأحواض المائية وداخل وكالات الأحواض المائية، كما تشرف عليها المراكز الوطنية المختصة، وتعتمد على وسائل تقنية دقيقة، من بينها الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وشبكات القياس عالية الدقة. وعند تجميع المعطيات ورصد خطر الفيضانات، يتم تفعيل حالة الإنذار.
ما هي التوقعات الجوية والهيدرولوجية خلال الأيام والأسابيع المقبلة، وهل يُنتظر استمرار الضغط على الأودية والسدود؟
بخصوص التوقعات الجوية والهيدرولوجية خلال الأيام والأسابيع المقبلة، هناك عاملان أساسيان:
الأول يتمثل في التساقطات المطرية المهمة التي عرفها المغرب ما بين دجنبر 2025 ويناير 2026.
والثاني هو الغطاء الثلجي، إذ لا يجب نسيان أن ذوبان الثلوج يرفع من حمولة السدود والأودية.
فما بين سنتي 2024 و2025، بلغت المساحة المغطاة بالثلوج حوالي 30,734 كيلومترًا مربعًا، في حين أنه ما بين دجنبر 2025 ويناير 2026 فقط، ارتفعت المساحة إلى حوالي 55,495 كيلومترًا مربعًا، إضافة إلى سماكة الثلوج التي تجاوزت مترًا واحدًا، خصوصًا في الأطلس الكبير.
ويكمن التخوف الأكبر في الارتفاع المحتمل لدرجات الحرارة خلال الأيام المقبلة، مما قد يؤدي إلى ذوبان سريع للثلوج، وبالتالي تفاقم الوضع في عدد من الأحواض المائية، خاصة في الشمال والغرب، التي شهدت بالفعل أمطارًا وثلوجًا مهمة، مع توقعات باستمرار الأمطار الرعدية والتساقطات الثلجية خلال الأسبوع المقبل، إضافة إلى بعض مناطق الشرق.
هذا الوضع يفرض التفكير الجدي في تفعيل وسائل فعّالة للحد من مخاطر الفيضانات المرتقبة.
إلى أي حد ساهم عدم تفعيل مشروع الربط وتحويل المياه بين الأحواض، المطروح منذ سنة 1997، في تفاقم مخاطر الفيضانات الحالية؟
فيما يخص عدم تسريع مشروع الربط بين الأحواض المائية، فإن هذا المشروع يندرج ضمن الاستراتيجية الوطنية للماء لسنة 2009، التي شكّلت تحولًا من تدبير العرض إلى تدبير الطلب. فقد كان المغرب يعتمد أساسًا على توفير المياه لتغطية الحاجيات، قبل أن ينتقل إلى استراتيجية جديدة تجعل الربط بين الأحواض محورًا أساسيًا لتدبير الموارد المائية.
ويأتي ذلك خصوصًا في ظل كون حوالي 70% من الموارد المائية تتوفر في الشمال والشمال الغربي، سواء السطحية أو الجوفية، في حين يعاني الوسط والجنوب من خصاص بنيوي.
غير أن هذا الخيار لم يُفعّل بالجدية المطلوبة آنذاك، حيث كانت الأولوية للاستمرار في سياسة السدود، التي برهنت على إمكانية توفير حلول لمعضلة المياه، رغم أن سياسة السدود الكبرى أظهرت محدودياتها بسبب الطمي الناتج عن التعرية وانجراف التربة، إضافة إلى نسب التبخر المرتفعة التي تعرفها المياه السطحية.
فالمغرب يتلقى سنويًا حوالي 140 مليار متر مكعب من التساقطات، ويتبخر منها ما يقارب 118 مليار متر مكعب، بسبب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، خصوصًا خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع متوسط الحرارة سنة 2024 بحوالي 1.49 درجة مئوية.
وبالتالي، فإن السدود الكبرى، رغم أهميتها، تعاني من سلبيات تحدّ من فعاليتها، خاصة في ظل كلفتها المالية المرتفعة. ومع التغير المناخي وظهور الظواهر المناخية القصوى، من فيضانات وجفاف وأمطار كثيفة ومركّزة في مدد زمنية قصيرة، يصبح الحل الأنجع هو تعزيز بناء السدود التلية والسدود الصغرى في المناطق ذات التساقطات المهمة.
ولو تم تفعيل مشروع الربط بين الأحواض المائية منذ سنوات، لكان اليوم قد تم ربط حوض أبي رقراق بـحوض أم الربيع، بعد إنجاز الطريق السيار للماء من حوض سبو إلى حوض أبي رقراق، ثم إلى حوض أم الربيع، وبعد ذلك إلى حوض تانسيفت.
ولو تجسّد هذا المشروع منذ مدة، لتمت الاستفادة من فائض المياه الذي يعرفه حوض سبو وحوض أبي رقراق، خاصة أن سد سيدي محمد بن عبد لله بدوره بلغ نسبة ملء 100%.
ولو نجحنا في تصريف نسب من مياه هذين الحوضين نحو حوض أم الربيع، الذي لا تتجاوز أغلب سدوده نسبة ملء 50%، ومنه إلى حوض تانسيفت، الذي لم يعرف بدوره تساقطات مهمة كتلك التي عرفها الشمال والشمال الغربي والشرق، لكان هذا الربط قد ساهم بشكل ملحوظ في الحد من مخاطر الفيضانات الحالية.
ولا يجب أن ننسى أن جزءًا كبيرًا من أسباب الفيضانات في الوسط الحضري يعود إلى التوسع العمراني غير المهيكل، ووجود أحياء هامشية غير مربوطة بقنوات الصرف الصحي أو تدبير مياه الأمطار، إضافة إلى بناء أحياء ومناطق صناعية في جنبات الأودية ومجاريها الطبيعية.
كل هذه المعطيات تستدعي إعادة التفكير بعمق، وتحمل مختلف الفاعلين لمسؤولياتهم، من أجل تجنيب المغرب خسائر بشرية واقتصادية جسيمة.