عبد الحي السملالي
في السياق الأوروبي المزدحم بأسئلة الهوية وتجاذبات الاندماج، لم يعد المسجد مجرّد فضاء للشعائر، بل صار نقطة توازن دقيقة بين قدسية النص وضغط الحياة اليومية. وفي هذا التقاطع الحرج يبرز “فقه التنزيل” بوصفه الجسر الذي يربط الأحكام بوجع الناس، ويحوّل الخطاب الديني من تلاوة محفوظة إلى ممارسة واعية تُنزِّل النصوص على منازلها من الواقع.
هذه القناعة لم تتشكّل من ترفٍ نظري، بل من تراكم وقائع صغيرة في ظاهرها، لكنها كاشفة لخلل بنيوي في طريقة مخاطبة الناس. وقائع جعلت الهوّة بين ما يُقال فوق المنابر وما يُعاش تحت سقف المشقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
1. واقعة تكشف غياب “فقه السياق”
قبل نحو عشر سنوات حضرتُ محاضرة دينية في إحدى المدن الفرنسية. كان الشيخ واسع العلم، صادق اللهجة، وقد تجشّم الناس عناء السفر تقديرًا لمكانته. لكن الخطاب جاء معلّقًا في سماء المثاليات: قيام ليل طويل، نوافل مكثفة، جداول روحية لا يقدر عليها إلا من يعيش في خلوة، لا من يبدأ يومه قبل الفجر في ورش البناء والمناجم والسكك الحديدية.
كان الصمت في القاعة صمت اغتراب؛ ليس لأن الكلام غير صحيح شرعًا، بل لأنه غير قابل للتطبيق. وهنا يتجلّى مأزق خطاب ينسى الإنسان الذي يخاطبه، فيتحوّل من معين على الطاعة إلى عبءٍ يثقل الكاهل.
2. حين يتحوّل الوعظ إلى عبء غير مرئي
غياب فقه التنزيل ليس مسألة أسلوب، بل مسألة أثر. فالعامل الذي يحاول تطبيق برنامج تعبدي يفوق وسعه قد يفقد تركيزه خلف آلة دقيقة، فتقع إصابة لا تُجبر، أو خسارة مهنية تهدد عائلته. ليست المشكلة في تقواه، بل في خطاب لم يفهم واقعه.
العبادة حين تُحمَّل فوق الطاقة تفقد مقصدها، وتتحوّل من سكينة إلى قلق، ومن قربى إلى خطر. والشريعة في جوهرها جاءت لتحفظ الإنسان، لا لتستنزفه.
3. صلة الرحم حين تُحمَّل فوق الوسع: مثال آخر على الخلل
في صيف 2024 حضرتُ خطبة جمعة في أحد مساجد فرنسا. كان الإمام يودّع المصلّين قبل سفره إلى المغرب، ويحثّهم بإلحاح على زيارة الأقارب جميعًا دون استثناء. كلام يبدو في ظاهره محمودًا، لكنه تجاهل واقع الجالية: عائلات متشعّبة، أقارب موزعون على مدن متباعدة، ومهاجرون لا يملكون من عطلتهم إلا أيامًا قليلة.
أغلب هؤلاء يسافرون إلى المغرب بالسيارة عبر آلاف الكيلومترات، أو بالحافلات الدولية التي تستنزف يومين أو ثلاثة من الطريق. ثم، داخل المغرب، تتواصل الرحلة نفسها: تنقّلات شاقة بالسيارة بين مدن متباعدة، وحرارة صيف خانقة، وأطفال مرهقون من السفر الطويل.
فهل يُعقل أن يُطالَب عاملٌ أنهكه الكدّ طوال العام، وأتعبه السفر الطويل، بأن يقضي ما تبقّى من عطلته لاهثًا بين المدن فقط ليتجنب تهمة التقصير؟ وهل أصبحت صلة الرحم لا تتحقق إلا بالزيارة الجسدية، في زمن جعلت فيه وسائل التواصل السؤال والاهتمام متاحين في كل حين؟
كانت تلك الخطبة تجسيدًا آخر لغياب فقه التنزيل: حين يُقدَّم الحكم الشرعي مجردًا عن الواقع، فيتحوّل من باب للرحمة إلى عبء. وما يحتاجه الناس ليس وعظًا غارقًا في المثاليات، بل خطابًا يراعي الوسع، ويستحضر روح الدين: رحمة، وتيسيرًا، ومراعاةً لتبدّل الأزمان.
4. من التجربة الفردية إلى السؤال المنهجي
هذه الوقائع ليست استثناءات، بل أعراض لخلل بنيوي في إعداد الخطاب الديني. فالكلمة التي لا تسبقها أسئلة من قبيل:
* من هو الإنسان الذي أخاطبه
* ما طبيعة يومه وتحدياته
* ما أثر كلامي على حياته المهنية والعائلية
هي كلمة تفتقد لأبسط شروط المسؤولية الأخلاقية. فالخطاب الديني ليس جملة تُلقى في الفراغ، بل صناعة أثر، والأثر لا يُصنع دون معرفة دقيقة بالإنسان الذي يقف أمامك.
5. مسلمو فرنسا: الإيمان في حقل ألغام
يعيش المسلمون في فرنسا ضغوطًا مركّبة: هشاشة اجتماعية، تمييز في سوق العمل، قلق هوية، وتوتر دائم بين الانتماء والاندماج. وفي ظل هذه الظروف، يحتاج المسلم إلى خطاب يكون سندًا، لا عبئًا إضافيًا.
العامل الذي يحافظ على صلاته الأساسية وسط ظروف قاسية قد يكون أقرب إلى روح الإخلاص من نموذج “المسلم الكامل” الذي لا يضعف. فالدين ليس مضمارًا لاختبارات قدرة، بل طريق رحمة.
6. نحو خطاب يوازن بين النص والإنسان
ما نحتاجه اليوم ليس خطابًا يراكم الوصايا، بل خطابًا:
* يستوعب الواقع ليستدعي له النص المناسب
* يربط المثال بالقدرة، والمقصد بالوسع
* يحترم تعب الناس، ويجعل منه قربى إلى الله
* يقدّم حلولًا قابلة للتطبيق، لا أحلامًا معلّقة
إنه خطاب لا يكتفي بأن يكون صحيحًا شرعًا، بل يسعى لأن يكون نافعًا واقعًا.
7. خاتمة: الكلمة أمانة
الوقائع التي شهدتها لم تكن حوادث عابرة، بل مرايا كشفت ضرورة إعادة بناء العلاقة بين المنبر والواقع. فإصلاح الخطاب الديني يبدأ من الإيمان بأن الدين الذي لا يراعي الإنسان يظل خطابًا ناقصًا، وأن الحكمة الحقيقية تكمن في تنزيل المطلق (النص) على النسبي (الواقع) برفقٍ وعلم.
الكلمة أمانة، ومنبر اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الوعظ، بل إلى مزيد من الفهم.