إلهام الوادي: المغرب في مواجهة جائحة الفيضانات.. من منطق التدخل الاضطراري إلى السياسة الاستباقية في ظل التغير المناخي

إلهام الوادي: المغرب في مواجهة جائحة الفيضانات.. من منطق التدخل الاضطراري إلى السياسة الاستباقية في ظل التغير المناخي

لم يعد المغرب بمنأى عن التحولات المناخية المتسارعة التي يشهدها العالم. فقد أضحت الظواهر الجوية القصوى، وعلى رأسها الفيضانات والسيول المفاجئة، تهديدا حقيقيا للاستقرار المجالي، والأمن المائي، وسلامة المواطنين. وبين ارتفاع درجات الحرارة، وعدم انتظام التساقطات المطرية، وتوسع العمران في مناطق هشة، باتت الحاجة ملحة إلى الانتقال من منطق التدخل بعد الكارثة إلى سياسة استباقية شاملة لإدارة المخاطر المناخية.

تشكل الفيضانات التي عرفتها مدن مغربية خلال السنوات الأخيرة، خاصة آسفي (دجنبر 2025) والقصر الكبير (يناير 2026)، مؤشرات واضحة على هذا التحول المناخي، وعلى ضرورة مراجعة السياسات العمومية المرتبطة بالبنية التحتية، والتخطيط الحضري، والحكامة الترابية.

 

أولا: التغير المناخي في المغرب – معطيات مقلقة وتحولات بنيوية:

تشير تقارير الوكالة الوطنية للأرصاد الجوية إلى أن المغرب عرف خلال العقد الأخير:

- ارتفاعا في متوسط درجات الحرارة بحوالي 1.2 درجة مئوية،
- تراجعا في انتظام التساقطات المطرية،
مقابل زيادة ملحوظة في حدة العواصف المطرية القصيرة والمركزة.
هذه التحولات المناخية تفضي إلى:
- ضغط متزايد على الموارد المائية،
- هشاشة أكبر للمدن الساحلية والواحات والمناطق الجبلية،
- ارتفاع خطر الفيضانات المفاجئة التي تتجاوز قدرة البنية التحتية التقليدية على الاستيعاب.

 

ثانيا: الفيضانات بالمغرب – من حوادث عرضية إلى خطر هيكلي:

لم تعد الفيضانات أحداثا معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة متكررة ذات كلفة بشرية واقتصادية مرتفعة.
نموذج:

* فيضانات آسفي (دجنبر 2025):
أمطار غزيرة أدت إلى سيول جارفة، خلفت خسائر بشرية و مادية كبيرة، وكشفت هشاشة شبكات الصرف والتخطيط العمراني في بعض الأحياء.
* فيضانات القصر الكبير (يناير 2026):
ارتفاع منسوب مياه نهر اللوكوس وامتلاء السدود المجاورة استدعى عمليات تفريغ وقائي، و إجلاء آلاف السكان، في واحدة من أكبر عمليات التعبئة الميدانية خلال السنوات الأخيرة.

هذه الوقائع أكدت أن الفيضانات أصبحت خطرا بنيويا مرتبطا بالتغير المناخي، وليس مجرد خلل ظرفي.

ثالثا: السياسة الاستباقية – مفهوم جديد لإدارة الاضطرابات الجوية:

تعتمد السياسة الاستباقية لمواجهة الفيضانات على التوقع، الوقاية، و الاستعداد بدل الاكتفاء برد الفعل. وفي هذا الإطار، تم تفعيل جملة من الإجراءات، خاصة خلال فيضانات القصر الكبير، من بينها:

- المراقبة المستمرة للسدود،
- تنفيذ عمليات التفريغ الوقائي،
- إصلاح الطرق المتضررة،
- توفير دعم لوجستيكي بتنسيق مع السلطات المحلية،
- جعل سلامة المواطن فوق كل اعتبار.
هذا التحول يعكس وعيا مؤسساتيا متزايدا بأهمية التدخل المبكر.

رابعا: البنية التحتية المقاومة للفيضانات – من الدروس إلى الحلول:

تشكل البنية التحتية خط الدفاع الأول ضد الفيضانات، وتشمل:
- تحديث شبكات الصرف الصحي و مجاري المياه،
- تشييد جسور و أنفاق قادرة على تحمل التدفقات القصوى،
- توسيع مجاري الأودية والأنهار،
- اعتماد تخطيط عمراني يمنع البناء في مناطق الخطر.
كما يبرز توجه حديث نحو حلول قائمة على الطبيعة، مثل:
- الحدائق الحضرية الماصة للمياه،
- المساحات الخضراء المتحولة لتخزين مياه الأمطار مؤقتا.

 

خامسا: السدود المغربية – بين الحماية والتدبير الذكي:

يمتلك المغرب أكثر من 140 سدا كبيرا، تلعب دورا استراتيجيا مزدوجا : الحماية من الفيضانات،
تأمين المياه للزراعة والصناعة والماء الشروب.

غير أن التحدي اليوم يكمن في:
- تطوير نماذج تدبير ديناميكية،
- الاعتماد على التنبؤات المناخية الدقيقة،
- تحسين التنسيق بين التفريغ الوقائي وحماية المناطق الواقعة أسفل السدود.

سادسا: دور وزارة التجهيز والماء – قيادة استراتيجية متعددة المستويات:

تضطلع وزارة التجهيز والماء بدور محوري من خلال:
- وضع استراتيجيات وطنية لتدبير مياه الأمطار،
- تفعيل أنظمة الإنذار المبكر،
- صيانة السدود والطرق والمنشآت المائية،
- دعم الجماعات الترابية تقنيا و ماليا.
و يمثل هذا الدور انتقالا واضحا من التدبير القطاعي إلى مقاربة استباقية شمولية.

سابعا: الجماعات المحلية – خط الدفاع القريب من المواطن:

باعتبارها الفاعل الأقرب ميدانيا، تتحمل الجماعات المحلية مسؤوليات أساسية:
- إعداد خرائط المخاطر،
- صيانة مجاري المياه المحلية،
- وضع خطط الإخلاء و الإيواء،
- التواصل المباشر مع السكان عبر الرسائل والتنبيهات.
- نجاعة هذه الأدوار تبقى رهينة الدعم التقني والمالي، والتنسيق مع الدولة والمجتمع المدني.

ثامنا: المجتمع المدني – من المتلقي إلى الشريك:

يشكل المجتمع المدني عنصرا حاسما في: التوعية و التحسيس،
- تشكيل فرق تطوعية للتدخل الأولي،
- المشاركة في التخطيط المحلي للطوارئ،
- تدريب المواطنين على سلوكيات السلامة أثناء الفيضانات.
- إشراك المجتمع المدني يعزز الثقة و يقوي الصمود المجتمعي.

تاسعا: نحو تنسيق وطني شامل لإدارة مخاطر الفيضانات: 
إن التنسيق بين: وزارة التجهيز والماء، الجماعات المحلية، المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، يسمح بـ:
- تبادل المعطيات في الزمن الحقيقي،
- استجابة أسرع وأكثر نجاعة،
- تقليص الخسائر البشرية و المادية.

 

توصيات:

لمواجهة الفيضانات المتزايدة، يحتاج المغرب إلى:
- تعزيز الاستثمار في البنية التحتية المقاومة للمخاطر،
- تطوير إدارة السدود عبر أنظمة ذكية،
- تعميم خرائط المخاطر على الجماعات،
- إشراك المجتمع المدني بفعالية،
- اعتماد التكنولوجيا الحديثة في الرصد والتنبؤ،
- ترسيخ ثقافة الوقاية بدل الانتظار.

بهذه الرؤية المتكاملة، يمكن للمغرب أن يتحول إلى نموذج إقليمي في إدارة المخاطر المناخية، وحماية الإنسان قبل كل شيء.

 

مصادر:

- الوكالة الوطنية للأرصاد الجوية، تقارير المناخ بالمغرب (2023–2025)..
- Nichan.ma-تقارير فيضانات آسفي، دجنبر 2025.
- الجزيرة نت، تغطية فيضانات القصر الكبير، يناير 2026.
- Morocco World News: جهود وزارة التجهيز والماء في مواجهة الفيضانات 2024/2025.
- Le360 عربي: 
الإخلاء والإجراءات    الوقائية.2025–2026.
- صوت المغرب، فاس نيوز ميديا، اليوم السابع، تغطيات إعلامية حول الفيضانات والبنية التحتية.