مشاهد لإغاثة السكان بالقصر الكبير
تكشف الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير، وتهدد بشكل كبير مناطق العرائش وسيدي قاسم ومشرع بلقصيري، أن هناك فجوة واضحة بين الخطاب العمومي حول الوقاية والتدبير المندمج للمخاطر وبين ما يتحقق فعليا على الأرض، وهي الفجوة التي تحولت في لحظة الفيضان إلى مأساة إنسانية لا يمكن تبريرها برداءة أحوال الطقس. ذلك أنه حين تغرق أحياء سكنية بكاملها في ساعات قليلة، وحين تحاصر المياه السكان داخل بيوتهم، وحين تتحول الشوارع إلى مجار مائية جارفة، وحين يرغم آلاف الأشخاص على ترك مساكنهم وممتلكاتهم للنزوح إلى المناطق المجاورة الآمنة، يصبح من الصعب الحديث عن خلل تقني معزول أو حادث استثنائي، لأن ما يقع هو نتيجة مسار طويل من الإهمال وسوء التقدير وتراكم القرارات المؤجلة على مر الحكومات التي تعاقبت ببلادنا.
والحق أن الفيضانات التي تضرب هذه المنطقة أو تلك تعري واقع التدبير المحلي والجهوي، بل الوطني، وتطرح على نحو واضح سؤال المسؤولية المباشرة، أي مسؤولية المدبر العمومي الذي كان يفترض فيه أن يستبق الخطر، وأن يقرأ إشاراته، وأن يربط بين المعرفة المتوفرة والقرار المتخذ. وليس أدل على ذلك مما شهدته مؤخرا مدينة القصر الكبير، وباقي المدن الأخرى المهددة (سيدي سليمان، العرائش، سيدي قاسم، مشرع بلقصيري.. إلخ)، والتي عاشت مرارا وتكرارا على إيقاع الفيضانات، مما يجعل التكرار دليلا على فشل بنيوي يترجم الكوارث المستمرة التي تفقد في كل مرة صفة الاستثناء، مثلما وقع في مدينة آسفي، إذ اتضح أن غرق الأحياء الشعبية لم يكن مفاجئا لمن يتابع التحولات العمرانية التي حكمها توسع البناء في مناطق منخفضة دون حماية كافية، والتغاضي عن تحذيرات الخبراء، وتأجيل إنجاز مشاريع الحماية من الكوارث أو تنفيذها بشكل جزئي لا يرقى إلى حجم الخطر.
ومن هذا المنطلق، تكشف الفيضانات الأخيرة التي ضربت القصر الكبير خللا كبيرا وحاسما في منطق الأولويات، حيث يتم الحديث عن استراتيجيات وطنية كبرى، في حين تظل الأحياء التي تعاني من الهشاشة خارج دائرة الحماية الفعلية، مما يفرض الإخلاء على سكانها لحظة الخطر.
هذا التناقض يعمق، على نحو آلي، الإحساس باللاعدالة المجالية، ويجعل السكان يشعرون بأنهم متروكون لمصيرهم، وأن السلطات تحضر بعد الكارثة أكثر مما تحضر قبلها. ذلك أن الدعم والتعويض والتعبئة والحضور الميداني بعد الفيضان كلها إجراءات لا تمحو الإحساس بالتخلي واللاعدالة.
إضافة إلى ذلك، تطرح الفيضانات سؤال الحكامة المحلية، ودور الجماعات الترابية في تدبير المخاطر. فالقرب من المجال يفترض أن يمنح هذه الجماعات معرفة دقيقة بنقاط الضعف، غير أن هذه المعرفة لا تتحول دائما إلى فعل، إما بسبب ضعف الإمكانيات، أو بسبب تداخل الصلاحيات، أو بسبب غياب المحاسبة أو سبب نخب أمية أو فاسدة لا يهمها أمن مدنها وأمن سكانها، مما يحول الكارثة إلى موعد سنوي لا يملك أي أحد تغيير مساره في غيابة سياسة عمومية منزلة على أرض الواقع.
لقد تشكلت السياسة العمومية لمواجهة الفيضانات في المغرب عبر مسار طويل من التراكمات التاريخية والمؤسساتية والتقنية، وهو المسار الذي لا يمكن اختزاله في إجراءات ظرفية أو ردود فعل آنية، لأنه يرتبط بسؤال أعمق حول علاقة الدولة بالمجال وبالمخاطر الطبيعية وبحياة السكان في توازنها الهش بين الطبيعة والعمران والاقتصاد.
فمنذ عقود، والمغرب يواجه الفيضانات في شكل كوارث مدمرة قد تخلف خسائر بشرية ومادية، وهو ما تحتفظ به الذاكرة الجماعية التي شكلت أحد منابع الوعي العمومي بخطورة الظاهرة، ودفعت الدولة إلى الانتقال تدريجيا من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى منطق الوقاية والتوقع والتدبير المندمج للمخاطر.
ففي البدايات، كان التعامل مع الفيضانات محكوما بمنطق تقني صرف، يعتمد على أشغال مستعجلة لإصلاح ما أفسدته السيول، وبناء منشآت حماية في نقاط معزولة، دون تصور شامل يربط بين الحوض المائي والمدينة والقرية وتوطين الأنشطة الاقتصادية. لكن مع توالي الفيضانات الكبرى، خاصة تلك التي مست سابقا، مدنا مثل طنجة والمحمدية والدار البيضاء وفاس وتارودانت وگلميم والراشيدية ومناطق عديدة في الشمال والجنوب، بدأ يتبلور إدراك مؤسساتي بأن الفيضانات ليست حدثا استثنائيا عابرا، وإنما ظاهرة بنيوية مرتبطة بطبيعة المناخ، وبخصائص التضاريس، وباختيارات التعمير، وبضغط الإنسان على المجال.
هذا الإدراك قاد السلطات إلى إعادة التفكير في السياسة العمومية من أساسها، وجعلها تنتقل نحو مقاربة شمولية تتداخل فيها الأبعاد التقنية والتشريعية والمؤسساتية والاجتماعية، ويمكن إجمالها في ما يلي:
أولا: التخطيط الاستباقي القائم على المعرفة العلمية. إذ استثمر المغرب في السنوات الأخيرة في إعداد خرائط دقيقة لمخاطر الفيضانات على مستوى الأحواض المائية والمناطق الحضرية والقروية، مستندا إلى معطيات هيدرولوجية ومناخية وطبوغرافية متراكمة. ولا تؤدي هذه الخرائط وظيفة معرفية فقط، وإنما تشكل أداة لتوجيه القرار العمومي، سواء في مجال التعمير أو في اختيار مواقع الاستثمارات أو في تحديد أولويات الحماية.
وفي السياق نفسه، تم إدماج بعد مخاطر الفيضانات في وثائق التعمير، من تصاميم التهيئة إلى مخططات التنمية الحضرية والقروية. هذا الإدماج يعكس تحولا في تصور المدينة والقرية، حيث لم يعد المجال مجرد وعاء محايد للبناء، وإنما نظام حي تحكمه قوانين الطبيعة بقدر ما تحكمه قوانين الإدارة. غير أن هذا التحول يواجه تحديات عديدة، منها ضغط السكن غير المنظم، وتوسع العمران في مجاري الأودية، وتداخل المصالح الاقتصادية مع متطلبات السلامة، وهو ما يجعل السياسة العمومية في هذا المجال ساحة تفاوض دائم بين ما هو تقني وما هو اجتماعي وما هو سياسي.
ثانيا: تحتل أنظمة الرصد والإنذار المبكر موقعا محوريا في مواجهة الفيضانات. فقد عملت الدولة على تعزيز شبكات الرصد الجوي والهيدرولوجي، وربطها بمراكز تحليل قادرة على توقع التساقطات القوية وارتفاع منسوب المياه في الأودية والسدود.
هذه الأنظمة تسمح بإصدار نشرات إنذارية وتحذيرات مسبقة، توجه إلى السلطات المحلية والجهوية، وإلى المواطنين عبر وسائل الإعلام والرسائل الهاتفية. وتكمن أهمية ذلك في تقليص الخسائر البشرية، لأن الزمن يصبح عاملا حاسما بين الحياة والموت حين يتعلق الأمر بالفيضانات المفاجئة. غير أن فعالية الإنذار لا ترتبط فقط بالتقنية، وإنما أيضا بثقافة الاستجابة لدى السكان، وبمستوى الثقة في التحذيرات، وبقدرة السلطات المحلية على تفعيل خطط الإخلاء والتدخل بسرعة.
ثالثا: يشكل التدخل الميداني ركيزة أساسية في السياسة العمومية، حيث يتم تفعيل منظومة متعددة الفاعلين تشمل وزارة الداخلية، ووزارة التجهيز والماء، بالأساس والقوة العمومية، والسلطات الترابية، والجماعات المحلية؛ وهي المنظومة التي تنبني على التنسيق والتكامل، وتتحرك وفق مخططات معدة سلفا للتعامل مع حالات الطوارئ. وقد أظهرت تجارب عديدة أن سرعة التدخل وقدرته على التنظيم تقلل من حجم الخسائر، وتساهم في استعادة الحياة الطبيعية في أقصر وقت ممكن. غير أن هذا الجانب يظل مرتبطا بإشكالات لوجستية وبشرية، خاصة في المناطق النائية، حيث يصعب الولوج إليها بسبب هشاشة البنيات التحتية.
رابعا: من الركاز الأساسية لمواجهة الفيضانات، هناك البنية التحتية، وتشمل بناء السدود، وتهيئة مجاري الأودية، وإنجاز قنوات تصريف المياه، وحماية المدن عبر منشآت هندسية موجهة لتخفيف قوة السيول، فضلا عن إنجاز مقطع من "الطريق السيار المائي" الممتد على مسافة 67 كلم، والذي يهدف إلى تحويل فائض مياه حوض سبو (قدرت سنة 2023 بنحو 340 مليون متر مكعب)، عبر سد المنع، إلى سد سيدي محمد بن عبد لله لحوض أبي رقراق.
والواضح أن هذه الاستثمارات تعكس إرادة الدولة في الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الاستثمار طويل الأمد في السلامة. غير أن هذه البنيات تطرح أسئلة حول الاستدامة، وحول قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية التي تزيد من حدة الظواهر القصوى. فالسدود التي بنيت وفق معطيات مناخية سابقة قد تجد نفسها أمام تحديات جديدة، ما يستدعي مراجعة دائمة للمعايير، وتحديثا مستمرا للتصاميم.
خامسا: الإطار التشريعي والمؤسساتي. فالقوانين المنظمة للماء والتعمير وحماية البيئة تمنح للدولة أدوات قانونية للتدخل، وتحدد مسؤوليات مختلف المتدخلين. وقد شهد هذا الإطار تطورا ملحوظا، مع إدماج مفهوم تدبير المخاطر في السياسات العمومية، وربطه بمبدأ الحكامة الجيدة والتنسيق بين القطاعات. غير أن التحدي يظل في الانتقال من النص القانوني إلى التطبيق الفعلي، حيث تصطدم القوانين أحيانا بواقع الممارسة، وبضعف المراقبة، وبتعدد المتدخلين.
سادسا: لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي الذي لا يقل أهمية عن الأبعاد التقنية والمؤسساتية. فالفيضانات تكشف الهشاشة الاجتماعية، وتضرب الفئات الأكثر فقرا التي تسكن في مناطق معرضة للخطر، وتفتقر إلى وسائل الحماية والتأمين. لذلك، تشمل السياسة العمومية آليات للدعم والتعويض، وإعادة الإيواء، ومواكبة المتضررين في مرحلة ما بعد الكارثة؛ وهي الآليات التي تحمل بعدا تضامنيا، كما تعكس دور الدولة بوصفها حاميا اجتماعيا، غير أنها تثير أيضا نقاشا حول العدالة المجالية، وحول ضرورة معالجة جذور الهشاشة.
سابعا: يفرض التغير المناخي نفسه بوصفه عاملا مركزيا. فارتفاع وتيرة الظواهر القصوى، وعدم انتظام التساقطات، يجعل الفيضانات أكثر عنفا وأقل قابلية للتوقع وفق الأنماط التقليدية، مما دفع المغرب إلى إدماج البعد المناخي في استراتيجياته، وربط مواجهة الفيضانات بالتكيف مع التغير المناخي، سواء عبر تعزيز مرونة البنيات التحتية، أو عبر حماية النظم البيئية الطبيعية التي تلعب دورا في امتصاص المياه، مثل الواحات والغابات والمناطق الرطبة.
ثامنا: يشكل التعاون الدولي بعدا مهما، حيث يستفيد المغرب من خبرات وتجارب دولية، ومن دعم مؤسسات مالية وتقنية، لتطوير قدراته في مجال تدبير المخاطر، مما يسمح بنقل المعرفة، وبتمويل مشاريع كبرى، وبإدماج المعايير الدولية في السياسات الوطنية. غير أن الرهان الحقيقي يظل في تكييف هذه المعايير مع الخصوصيات المحلية، ومع الواقع الاجتماعي والمجالي للمغرب.
لقد كان من اللازم أن يستفيد المسؤولون المحليون والجهويون في القصر الكبير من التراكم الذي راكمته السياسة العمومية المغربية في مجال تدبير مخاطر الفيضانات. ذلك أن مجال مدينة القصر الكبير مصنف تاريخيا ضمن المناطق عالية القابلية للفيضانات، بحكم موقعها داخل حوض اللوكوس وطبيعة شبكته المائية. ومع ذلك، استمر التوسع العمراني في مجالات منخفضة وقريبة من مجاري المياه، أحيانا بترخيص رسمي، وأحيانا بتغاضٍ واضح عن البناء غير المنظم، مما يدل على خلل في إدماج خرائط المخاطر في القرار التعميري، وعلى تغليب منطق الاستجابة للضغط الاجتماعي أو الاقتصادي على منطق السلامة العمومية.
المؤاخذات، أيضا، قصور الوقاية الهيكلية. فمشاريع تهيئة الأودية، وتقوية قنوات التصريف، وصيانة المنشآت القائمة، إما أنجزت بشكل جزئي، أو عرفت تأخيرا، أو لم تخضع لتحديث يراعي التحولات المناخية. وهذا يعكس ضعفا في التخطيط الاستثماري وفي تتبع المشاريع وتقييم نجاعتها.
المؤاخذة الثالثة تتعلق بفعالية منظومة الإنذار والاستجابة المحلية. ذلك أن النشرات التحذيرية التي تصدر على المستوى الوطني لا تقع ترجمتها محليا، مما يؤكد أن الإنذار يظل "معلومة إدارية"، ولا يتم التعامل معه بوصفه "أداة تعبئة ميدانية"، بسبب ضعف التنسيق، أو الخوف من اتخاذ قرارات قد تُعتبر "مبالغا فيها" إذا لم تقع الكارثة.
رابع المؤاخذات يهم الحكامة المحلية وتداخل المسؤوليات. فبين الجماعة، والعمالة، والمصالح التقنية، والقطاعات الوزارية، تتوزع الاختصاصات بشكل يجعل المسؤولية أحيانا ضبابية، مما يضعف القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة، ويشجع منطق "تبادل الأعذار" بدل منطق تحمل المسؤولية.
خامس المؤاخذات يمكن في عدم إدماج البعد الاجتماعي في الوقاية. فالأحياء المعروفة بهشاشتها على مستوى بنيتها ظلت لسنوات خارج سياسات إعادة الهيكلة الجذرية أو إعادة الإيواء الوقائي. إذ تم الاكتفاء بتدبير هشاشتها عبر حلول مؤقتة..
وأخيرا، يمكن الحديث عن محدودية إشراك الساكنة في منطق الوقاية. فالسكان غالبا ما يُستدعون بعد الكارثة، مما يعكس ضعفا كبيرا في التوعية، وغياب تدريبات محلية على الطوارئ، وانعدام قنوات تواصل منتظمة.
خلاصة القول، إن هذه الفيضانات كشفت عن فجوة بنيوية بين السياسة العمومية والممارسة الميدانية، كما كشفت عن ضعف التنسيق، وعن تجذر "الاهتبال السياسي" و"تبادل الأعذار" بين مختلف الفاعلين.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن"
رابط العدد هنا