"أطوروت الماء".. درع المغرب في مواجهة الفيضانات

"أطوروت الماء"..  درع المغرب في مواجهة الفيضانات مشاهد لإغاثة السكان بالقصر الكبير

تكشف‭ ‬الفيضانات‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬مدينة‭ ‬القصر‭ ‬الكبير،‭ ‬وتهدد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬مناطق‭ ‬العرائش‭ ‬وسيدي‭ ‬قاسم‭ ‬ومشرع‭ ‬بلقصيري،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فجوة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬العمومي‭ ‬حول‭ ‬الوقاية‭ ‬والتدبير‭ ‬المندمج‭ ‬للمخاطر‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬يتحقق‭ ‬فعليا‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وهي‭ ‬الفجوة‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الفيضان‭ ‬إلى‭ ‬مأساة‭ ‬إنسانية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تبريرها‭ ‬برداءة‭ ‬أحوال‭ ‬الطقس‭. ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬تغرق‭ ‬أحياء‭ ‬سكنية‭ ‬بكاملها‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة،‭ ‬وحين‭ ‬تحاصر‭ ‬المياه‭ ‬السكان‭ ‬داخل‭ ‬بيوتهم،‭ ‬وحين‭ ‬تتحول‭ ‬الشوارع‭ ‬إلى‭ ‬مجار‭ ‬مائية‭ ‬جارفة،‭ ‬وحين‭ ‬يرغم‭ ‬آلاف‭ ‬الأشخاص‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬مساكنهم‭ ‬وممتلكاتهم‭ ‬للنزوح‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬المجاورة‭ ‬الآمنة،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬تقني‭ ‬معزول‭ ‬أو‭ ‬حادث‭ ‬استثنائي،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الإهمال‭ ‬وسوء‭ ‬التقدير‭ ‬وتراكم‭ ‬القرارات‭ ‬المؤجلة‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الحكومات‭ ‬التي‭ ‬تعاقبت‭ ‬ببلادنا‭. ‬
 

والحق‭ ‬أن‭ ‬الفيضانات‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬تعري‭ ‬واقع‭ ‬التدبير‭ ‬المحلي‭ ‬والجهوي،‭ ‬بل‭ ‬الوطني،‭ ‬وتطرح‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬واضح‭ ‬سؤال‭ ‬المسؤولية‭ ‬المباشرة،‭ ‬أي‭ ‬مسؤولية‭ ‬المدبر‭ ‬العمومي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬يستبق‭ ‬الخطر،‭ ‬وأن‭ ‬يقرأ‭ ‬إشاراته،‭ ‬وأن‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬المعرفة‭ ‬المتوفرة‭ ‬والقرار‭ ‬المتخذ‭. ‬وليس‭ ‬أدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬مما‭ ‬شهدته‭ ‬مؤخرا‭ ‬مدينة‭ ‬القصر‭ ‬الكبير،‭ ‬وباقي‭ ‬المدن‭ ‬الأخرى‭ ‬المهددة‭ ‬(سيدي‭ ‬سليمان،‭ ‬العرائش،‭ ‬سيدي‭ ‬قاسم،‭ ‬مشرع‭ ‬بلقصيري‭.. ‬إلخ)،‭ ‬والتي‭ ‬عاشت‭ ‬مرارا‭ ‬وتكرارا‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬الفيضانات،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬التكرار‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬فشل‭ ‬بنيوي‭ ‬يترجم‭ ‬الكوارث‭ ‬المستمرة‭ ‬التي‭ ‬تفقد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬صفة‭ ‬الاستثناء،‭ ‬مثلما‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬آسفي،‭ ‬إذ‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬غرق‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفاجئا‭ ‬لمن‭ ‬يتابع‭ ‬التحولات‭ ‬العمرانية‭ ‬التي‭ ‬حكمها‭ ‬توسع‭ ‬البناء‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬منخفضة‭ ‬دون‭ ‬حماية‭ ‬كافية،‭ ‬والتغاضي‭ ‬عن‭ ‬تحذيرات‭ ‬الخبراء،‭ ‬وتأجيل‭ ‬إنجاز‭ ‬مشاريع‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬الكوارث‭ ‬أو‭ ‬تنفيذها‭ ‬بشكل‭ ‬جزئي‭ ‬لا‭ ‬يرقى‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬الخطر‭. ‬
 

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تكشف‭ ‬الفيضانات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬ضربت‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬خللا‭ ‬كبيرا‭ ‬وحاسما‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬الأولويات،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وطنية‭ ‬كبرى،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تظل‭ ‬الأحياء‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الهشاشة‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬الحماية‭ ‬الفعلية،‭ ‬مما‭ ‬يفرض‭ ‬الإخلاء‭ ‬على‭ ‬سكانها‭ ‬لحظة‭ ‬الخطر‭. ‬
 

هذا‭ ‬التناقض‭ ‬يعمق،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬آلي،‭ ‬الإحساس‭ ‬باللاعدالة‭ ‬المجالية،‭ ‬ويجعل‭ ‬السكان‭ ‬يشعرون‭ ‬بأنهم‭ ‬متروكون‭ ‬لمصيرهم،‭ ‬وأن‭ ‬السلطات‭ ‬تحضر‭ ‬بعد‭ ‬الكارثة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تحضر‭ ‬قبلها‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬والتعويض‭ ‬والتعبئة‭ ‬والحضور‭ ‬الميداني‭ ‬بعد‭ ‬الفيضان‭ ‬كلها‭ ‬إجراءات‭ ‬لا‭ ‬تمحو‭ ‬الإحساس‭ ‬بالتخلي‭ ‬واللاعدالة‭.‬
 

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تطرح‭ ‬الفيضانات‭ ‬سؤال‭ ‬الحكامة‭ ‬المحلية،‭ ‬ودور‭ ‬الجماعات‭ ‬الترابية‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬المخاطر‭. ‬فالقرب‭ ‬من‭ ‬المجال‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬معرفة‭ ‬دقيقة‭ ‬بنقاط‭ ‬الضعف،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬فعل،‭ ‬إما‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬الإمكانيات،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬تداخل‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬غياب‭ ‬المحاسبة‭ ‬أو‭ ‬سبب‭ ‬نخب‭ ‬أمية‭ ‬أو‭ ‬فاسدة‭ ‬لا‭ ‬يهمها‭ ‬أمن‭ ‬مدنها‭ ‬وأمن‭ ‬سكانها،‭ ‬مما‭ ‬يحول‭ ‬الكارثة‭ ‬إلى‭ ‬موعد‭ ‬سنوي‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أي‭ ‬أحد‭ ‬تغيير‭ ‬مساره‭ ‬في‭ ‬غيابة‭ ‬سياسة‭ ‬عمومية‭ ‬منزلة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬
 

لقد‭ ‬تشكلت‭ ‬السياسة‭ ‬العمومية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الفيضانات‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬عبر‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التراكمات‭ ‬التاريخية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬والتقنية،‭ ‬وهو‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزاله‭ ‬في‭ ‬إجراءات‭ ‬ظرفية‭ ‬أو‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬آنية،‭ ‬لأنه‭ ‬يرتبط‭ ‬بسؤال‭ ‬أعمق‭ ‬حول‭ ‬علاقة‭ ‬الدولة‭ ‬بالمجال‭ ‬وبالمخاطر‭ ‬الطبيعية‭ ‬وبحياة‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬توازنها‭ ‬الهش‭ ‬بين‭ ‬الطبيعة‭ ‬والعمران‭ ‬والاقتصاد‭. ‬
 

فمنذ‭ ‬عقود،‭ ‬والمغرب‭ ‬يواجه‭ ‬الفيضانات‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬كوارث‭ ‬مدمرة‭ ‬قد‭ ‬تخلف‭ ‬خسائر‭ ‬بشرية‭ ‬ومادية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تحتفظ‭ ‬به‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬أحد‭ ‬منابع‭ ‬الوعي‭ ‬العمومي‭ ‬بخطورة‭ ‬الظاهرة،‭ ‬ودفعت‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬تدريجيا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬التدخل‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬الكارثة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الوقاية‭ ‬والتوقع‭ ‬والتدبير‭ ‬المندمج‭ ‬للمخاطر‭.‬
 

ففي‭ ‬البدايات،‭ ‬كان‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الفيضانات‭ ‬محكوما‭ ‬بمنطق‭ ‬تقني‭ ‬صرف،‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬أشغال‭ ‬مستعجلة‭ ‬لإصلاح‭ ‬ما‭ ‬أفسدته‭ ‬السيول،‭ ‬وبناء‭ ‬منشآت‭ ‬حماية‭ ‬في‭ ‬نقاط‭ ‬معزولة،‭ ‬دون‭ ‬تصور‭ ‬شامل‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الحوض‭ ‬المائي‭ ‬والمدينة‭ ‬والقرية‭ ‬وتوطين‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬توالي‭ ‬الفيضانات‭ ‬الكبرى،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬مست‭ ‬سابقا،‭ ‬مدنا‭ ‬مثل‭ ‬طنجة‭ ‬والمحمدية‭ ‬والدار‭ ‬البيضاء‭ ‬وفاس‭ ‬وتارودانت‭ ‬وگلميم‭ ‬والراشيدية‭ ‬ومناطق‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬بدأ‭ ‬يتبلور‭ ‬إدراك‭ ‬مؤسساتي‭ ‬بأن‭ ‬الفيضانات‭ ‬ليست‭ ‬حدثا‭ ‬استثنائيا‭ ‬عابرا،‭ ‬وإنما‭ ‬ظاهرة‭ ‬بنيوية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بطبيعة‭ ‬المناخ،‭ ‬وبخصائص‭ ‬التضاريس،‭ ‬وباختيارات‭ ‬التعمير،‭ ‬وبضغط‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬المجال‭. ‬
 

هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬قاد‭ ‬السلطات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬العمومية‭ ‬من‭ ‬أساسها،‭ ‬وجعلها‭ ‬تنتقل‭ ‬نحو‭ ‬مقاربة‭ ‬شمولية‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الأبعاد‭ ‬التقنية‭ ‬والتشريعية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬ويمكن‭ ‬إجمالها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يلي:
 

أولا‭:‬‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستباقي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭. ‬إذ‭ ‬استثمر‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬خرائط‭ ‬دقيقة‭ ‬لمخاطر‭ ‬الفيضانات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأحواض‭ ‬المائية‭ ‬والمناطق‭ ‬الحضرية‭ ‬والقروية،‭ ‬مستندا‭ ‬إلى‭ ‬معطيات‭ ‬هيدرولوجية‭ ‬ومناخية‭ ‬وطبوغرافية‭ ‬متراكمة‭. ‬ولا‭ ‬تؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الخرائط‭ ‬وظيفة‭ ‬معرفية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬تشكل‭ ‬أداة‭ ‬لتوجيه‭ ‬القرار‭ ‬العمومي،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التعمير‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬مواقع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬أولويات‭ ‬الحماية‭. ‬
وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬تم‭ ‬إدماج‭ ‬بعد‭ ‬مخاطر‭ ‬الفيضانات‭ ‬في‭ ‬وثائق‭ ‬التعمير،‭ ‬من‭ ‬تصاميم‭ ‬التهيئة‭ ‬إلى‭ ‬مخططات‭ ‬التنمية‭ ‬الحضرية‭ ‬والقروية‭. ‬هذا‭ ‬الإدماج‭ ‬يعكس‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬المدينة‭ ‬والقرية،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المجال‭ ‬مجرد‭ ‬وعاء‭ ‬محايد‭ ‬للبناء،‭ ‬وإنما‭ ‬نظام‭ ‬حي‭ ‬تحكمه‭ ‬قوانين‭ ‬الطبيعة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحكمه‭ ‬قوانين‭ ‬الإدارة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬عديدة،‭ ‬منها‭ ‬ضغط‭ ‬السكن‭ ‬غير‭ ‬المنظم،‭ ‬وتوسع‭ ‬العمران‭ ‬في‭ ‬مجاري‭ ‬الأودية،‭ ‬وتداخل‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬السلامة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬السياسة‭ ‬العمومية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ساحة‭ ‬تفاوض‭ ‬دائم‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تقني‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬اجتماعي‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬سياسي‭.‬
 

ثانيا‭:‬‭ ‬تحتل‭ ‬أنظمة‭ ‬الرصد‭ ‬والإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬موقعا‭ ‬محوريا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الفيضانات‭. ‬فقد‭ ‬عملت‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬شبكات‭ ‬الرصد‭ ‬الجوي‭ ‬والهيدرولوجي،‭ ‬وربطها‭ ‬بمراكز‭ ‬تحليل‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توقع‭ ‬التساقطات‭ ‬القوية‭ ‬وارتفاع‭ ‬منسوب‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬الأودية‭ ‬والسدود‭. ‬
هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬تسمح‭ ‬بإصدار‭ ‬نشرات‭ ‬إنذارية‭ ‬وتحذيرات‭ ‬مسبقة،‭ ‬توجه‭ ‬إلى‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬والجهوية،‭ ‬وإلى‭ ‬المواطنين‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والرسائل‭ ‬الهاتفية‭. ‬وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية،‭ ‬لأن‭ ‬الزمن‭ ‬يصبح‭ ‬عاملا‭ ‬حاسما‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالفيضانات‭ ‬المفاجئة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬فعالية‭ ‬الإنذار‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬فقط‭ ‬بالتقنية،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬بثقافة‭ ‬الاستجابة‭ ‬لدى‭ ‬السكان،‭ ‬وبمستوى‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬التحذيرات،‭ ‬وبقدرة‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬تفعيل‭ ‬خطط‭ ‬الإخلاء‭ ‬والتدخل‭ ‬بسرعة‭.‬
 

ثالثا‭:‬‭ ‬يشكل‭ ‬التدخل‭ ‬الميداني‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬العمومية،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تفعيل‭ ‬منظومة‭ ‬متعددة‭ ‬الفاعلين‭ ‬تشمل‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬ووزارة‭ ‬التجهيز‭ ‬والماء،‭ ‬بالأساس‭ ‬والقوة‭ ‬العمومية،‭ ‬والسلطات‭ ‬الترابية،‭ ‬والجماعات‭ ‬المحلية؛‭ ‬وهي‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬تنبني‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬والتكامل،‭ ‬وتتحرك‭ ‬وفق‭ ‬مخططات‭ ‬معدة‭ ‬سلفا‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تجارب‭ ‬عديدة‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬التدخل‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التنظيم‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر،‭ ‬وتساهم‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية‭ ‬في‭ ‬أقصر‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬يظل‭ ‬مرتبطا‭ ‬بإشكالات‭ ‬لوجستية‭ ‬وبشرية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬النائية،‭ ‬حيث‭ ‬يصعب‭ ‬الولوج‭ ‬إليها‭ ‬بسبب‭ ‬هشاشة‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭.‬
 

رابعا‭:‬‭ ‬من‭ ‬الركاز‭ ‬الأساسية‭ ‬لمواجهة‭ ‬الفيضانات،‭ ‬هناك‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وتشمل‭ ‬بناء‭ ‬السدود،‭ ‬وتهيئة‭ ‬مجاري‭ ‬الأودية،‭ ‬وإنجاز‭ ‬قنوات‭ ‬تصريف‭ ‬المياه،‭ ‬وحماية‭ ‬المدن‭ ‬عبر‭ ‬منشآت‭ ‬هندسية‭ ‬موجهة‭ ‬لتخفيف‭ ‬قوة‭ ‬السيول،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إنجاز‭ ‬مقطع‭ ‬من‭ ‬"الطريق‭ ‬السيار‭ ‬المائي"‭ ‬الممتد‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬67‭ ‬كلم،‭ ‬والذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬فائض‭ ‬مياه‭ ‬حوض‭ ‬سبو‭  ‬(قدرت‭ ‬سنة‭ ‬2023‭ ‬بنحو‭ ‬340‭ ‬مليون‭ ‬متر‭ ‬مكعب)،‭ ‬عبر‭ ‬سد‭ ‬المنع،‭ ‬إلى‭ ‬سد‭ ‬سيدي‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬لله‭ ‬لحوض‭ ‬أبي‭ ‬رقراق‭.‬
والواضح‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬تعكس‭ ‬إرادة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬التدبير‭ ‬الظرفي‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الاستثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬السلامة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البنيات‭ ‬تطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬حول‭ ‬الاستدامة،‭ ‬وحول‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الظواهر‭ ‬القصوى‭. ‬فالسدود‭ ‬التي‭ ‬بنيت‭ ‬وفق‭ ‬معطيات‭ ‬مناخية‭ ‬سابقة‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة،‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬مراجعة‭ ‬دائمة‭ ‬للمعايير،‭ ‬وتحديثا‭ ‬مستمرا‭ ‬للتصاميم‭.‬
 

خامسا‭:‬‭ ‬الإطار‭ ‬التشريعي‭ ‬والمؤسساتي‭. ‬فالقوانين‭ ‬المنظمة‭ ‬للماء‭ ‬والتعمير‭ ‬وحماية‭ ‬البيئة‭ ‬تمنح‭ ‬للدولة‭ ‬أدوات‭ ‬قانونية‭ ‬للتدخل،‭ ‬وتحدد‭ ‬مسؤوليات‭ ‬مختلف‭ ‬المتدخلين‭. ‬وقد‭ ‬شهد‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬تطورا‭ ‬ملحوظا،‭ ‬مع‭ ‬إدماج‭ ‬مفهوم‭ ‬تدبير‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬وربطه‭ ‬بمبدأ‭ ‬الحكامة‭ ‬الجيدة‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬إلى‭ ‬التطبيق‭ ‬الفعلي،‭ ‬حيث‭ ‬تصطدم‭ ‬القوانين‭ ‬أحيانا‭ ‬بواقع‭ ‬الممارسة،‭ ‬وبضعف‭ ‬المراقبة،‭ ‬وبتعدد‭ ‬المتدخلين‭.‬
 

سادسا‭:‬‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الأبعاد‭ ‬التقنية‭ ‬والمؤسساتية‭. ‬فالفيضانات‭ ‬تكشف‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وتضرب‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬فقرا‭ ‬التي‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬معرضة‭ ‬للخطر،‭ ‬وتفتقر‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬الحماية‭ ‬والتأمين‭. ‬لذلك،‭ ‬تشمل‭ ‬السياسة‭ ‬العمومية‭ ‬آليات‭ ‬للدعم‭ ‬والتعويض،‭ ‬وإعادة‭ ‬الإيواء،‭ ‬ومواكبة‭ ‬المتضررين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الكارثة؛‭ ‬وهي‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬بعدا‭ ‬تضامنيا،‭ ‬كما‭ ‬تعكس‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬بوصفها‭ ‬حاميا‭ ‬اجتماعيا،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬تثير‭ ‬أيضا‭ ‬نقاشا‭ ‬حول‭ ‬العدالة‭ ‬المجالية،‭ ‬وحول‭ ‬ضرورة‭ ‬معالجة‭ ‬جذور‭ ‬الهشاشة‭.‬
 

سابعا‭:‬‭ ‬يفرض‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬نفسه‭ ‬بوصفه‭ ‬عاملا‭ ‬مركزيا‭. ‬فارتفاع‭ ‬وتيرة‭ ‬الظواهر‭ ‬القصوى،‭ ‬وعدم‭ ‬انتظام‭ ‬التساقطات،‭ ‬يجعل‭ ‬الفيضانات‭ ‬أكثر‭ ‬عنفا‭ ‬وأقل‭ ‬قابلية‭ ‬للتوقع‭ ‬وفق‭ ‬الأنماط‭ ‬التقليدية،‭ ‬مما‭ ‬دفع‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬إدماج‭ ‬البعد‭ ‬المناخي‭ ‬في‭ ‬استراتيجياته،‭ ‬وربط‭ ‬مواجهة‭ ‬الفيضانات‭ ‬بالتكيف‭ ‬مع‭ ‬التغير‭ ‬المناخي،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬مرونة‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬حماية‭ ‬النظم‭ ‬البيئية‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬امتصاص‭ ‬المياه،‭ ‬مثل‭ ‬الواحات‭ ‬والغابات‭ ‬والمناطق‭ ‬الرطبة‭.‬
 

ثامنا‭:‬‭ ‬يشكل‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬بعدا‭ ‬مهما،‭ ‬حيث‭ ‬يستفيد‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬خبرات‭ ‬وتجارب‭ ‬دولية،‭ ‬ومن‭ ‬دعم‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬وتقنية،‭ ‬لتطوير‭ ‬قدراته‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تدبير‭ ‬المخاطر،‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬بنقل‭ ‬المعرفة،‭ ‬وبتمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬كبرى،‭ ‬وبإدماج‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الوطنية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬يظل‭ ‬في‭ ‬تكييف‭ ‬هذه‭ ‬المعايير‭ ‬مع‭ ‬الخصوصيات‭ ‬المحلية،‭ ‬ومع‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمجالي‭ ‬للمغرب‭.‬
 

لقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬أن‭ ‬يستفيد‭ ‬المسؤولون‭ ‬المحليون‭ ‬والجهويون‭ ‬في‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬التراكم‭ ‬الذي‭ ‬راكمته‭ ‬السياسة‭ ‬العمومية‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تدبير‭ ‬مخاطر‭ ‬الفيضانات‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مجال‭ ‬مدينة‭ ‬القصر‭ ‬الكبير‭ ‬مصنف‭ ‬تاريخيا‭ ‬ضمن‭ ‬المناطق‭ ‬عالية‭ ‬القابلية‭ ‬للفيضانات،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬داخل‭ ‬حوض‭ ‬اللوكوس‭ ‬وطبيعة‭ ‬شبكته‭ ‬المائية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬استمر‭ ‬التوسع‭ ‬العمراني‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬منخفضة‭ ‬وقريبة‭ ‬من‭ ‬مجاري‭ ‬المياه،‭ ‬أحيانا‭ ‬بترخيص‭ ‬رسمي،‭ ‬وأحيانا‭ ‬بتغاضٍ‭ ‬واضح‭ ‬عن‭ ‬البناء‭ ‬غير‭ ‬المنظم،‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬إدماج‭ ‬خرائط‭ ‬المخاطر‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬التعميري،‭ ‬وعلى‭ ‬تغليب‭ ‬منطق‭ ‬الاستجابة‭ ‬للضغط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬السلامة‭ ‬العمومية‭.‬
 

‬المؤاخذات،‭ ‬أيضا،‭ ‬قصور‭ ‬الوقاية‭ ‬الهيكلية‭. ‬فمشاريع‭ ‬تهيئة‭ ‬الأودية،‭ ‬وتقوية‭ ‬قنوات‭ ‬التصريف،‭ ‬وصيانة‭ ‬المنشآت‭ ‬القائمة،‭ ‬إما‭ ‬أنجزت‭ ‬بشكل‭ ‬جزئي،‭ ‬أو‭ ‬عرفت‭ ‬تأخيرا،‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬تخضع‭ ‬لتحديث‭ ‬يراعي‭ ‬التحولات‭ ‬المناخية‭. ‬وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬ضعفا‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستثماري‭ ‬وفي‭ ‬تتبع‭ ‬المشاريع‭ ‬وتقييم‭ ‬نجاعتها‭.‬
 

المؤاخذة‭ ‬الثالثة‭ ‬تتعلق‭ ‬بفعالية‭ ‬منظومة‭ ‬الإنذار‭ ‬والاستجابة‭ ‬المحلية‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬النشرات‭ ‬التحذيرية‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬ترجمتها‭ ‬محليا،‭ ‬مما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭  ‬الإنذار‭ ‬يظل‭ ‬"معلومة‭ ‬إدارية"،‭ ‬ولا‭ ‬يتم‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬بوصفه‭ ‬"أداة‭ ‬تعبئة‭ ‬ميدانية"،‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬التنسيق،‭ ‬أو‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬قد‭ ‬تُعتبر‭ ‬"مبالغا‭ ‬فيها"‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تقع‭ ‬الكارثة‭.‬
 

رابع‭ ‬المؤاخذات‭ ‬يهم‭ ‬الحكامة‭ ‬المحلية‭ ‬وتداخل‭ ‬المسؤوليات‭. ‬فبين‭ ‬الجماعة،‭ ‬والعمالة،‭ ‬والمصالح‭ ‬التقنية،‭ ‬والقطاعات‭ ‬الوزارية،‭ ‬تتوزع‭ ‬الاختصاصات‭ ‬بشكل‭ ‬يجعل‭ ‬المسؤولية‭ ‬أحيانا‭ ‬ضبابية،‭ ‬مما‭ ‬يضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬حاسمة،‭ ‬ويشجع‭ ‬منطق‭ ‬"تبادل‭ ‬الأعذار"‭ ‬بدل‭ ‬منطق‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭. ‬
 

خامس‭ ‬المؤاخذات‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬إدماج‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬الوقاية‭. ‬فالأحياء‭ ‬المعروفة‭ ‬بهشاشتها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬بنيتها‭ ‬ظلت‭ ‬لسنوات‭ ‬خارج‭ ‬سياسات‭ ‬إعادة‭ ‬الهيكلة‭ ‬الجذرية‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬الإيواء‭ ‬الوقائي‭. ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بتدبير‭ ‬هشاشتها‭ ‬عبر‭ ‬حلول‭ ‬مؤقتة‭..‬
 

وأخيرا،‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬محدودية‭ ‬إشراك‭ ‬الساكنة‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬الوقاية‭. ‬فالسكان‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يُستدعون‭ ‬بعد‭ ‬الكارثة،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬ضعفا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬التوعية،‭ ‬وغياب‭ ‬تدريبات‭ ‬محلية‭ ‬على‭ ‬الطوارئ،‭ ‬وانعدام‭ ‬قنوات‭ ‬تواصل‭ ‬منتظمة‭.‬
 

خلاصة‭ ‬القول،‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الفيضانات‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬بنيوية‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬العمومية‭ ‬والممارسة‭ ‬الميدانية،‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬ضعف‭ ‬التنسيق،‭ ‬وعن‭ ‬تجذر‭ ‬"الاهتبال‭ ‬السياسي"‭ ‬و"تبادل‭ ‬الأعذار"‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الفاعلين‭.‬

تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد  من أسبوعية " الوطن الآن" 

رابط العدد هنا

424-2026-02-03-07-14-46