بنسعيد الركيبي: درس الحوز.. الجاهزية كخيار دولة

بنسعيد الركيبي: درس الحوز.. الجاهزية كخيار دولة بنسعيد الركيبي

في ماي 2025، أعطى الملك محمد السادس إشارة البدء في إحداث منصة المخزون والإحتياطات الأولية لجهة الرباط - سلا - القنيطرة، في أفق تعميمها ضمن تصور أشمل لمنصات جهوية كبرى تضم خياما وأغطية وأسرة وأدوية ومواد غذائية، إلى جانب تجهيزات تدخل سريع وآليات لوجيستيكية، وهو اختيار يعكس نظرة استباقية للمؤسسة الملكية تجعل من القرب وسرعة الإستجابة معيارا مركزيا للأمن الإنساني، وترتقي بالجاهزية إلى مستوى سياسة عمومية قائمة بذاتها، قادرة على مواجهة الفيضانات والزلازل والمخاطر الكيماوية والصناعية والإشعاعية وتعزيز التضامن الوطني زمن الطوارئ.

 

وتستمد هذه الرؤية عمقها من درس زلزال الحوز بما حمله من عبر قاسية حول عامل الزمن وحدود المسافة وأهمية التنسيق. إذ أكدت التجربة أن الساعات الأولى تصنع الفارق، وأن وجود المخزون الإستراتيجي قريبا من مجال التدخل يقلص كلفة الإنتظار ويرفع نجاعة الاستجابة. كما أبرزت أن وضوح القيادة وتكامل الأدوار بين المتدخلين يضاعفان فعالية التدخل ويحدان من الإرتباك. ومن هنا تبلور قرار الإنتقال إلى سياسة إحداث منصات جهوية، جاهزة للتشغيل بدل الإكتفاء بتعبئة متأخرة ومشتتة.

 

إن الإستباق هنا ترجمة عملية لفكرة الدولة الحامية، التي تضع مخططات تدخلها قبل وقوع الحدث وتتعلم من التجربة وتقوم بتصحيح مسارها باستمرار. وفي ظل أصداء الفيضانات المهولة التي تشهدها عدة جهات، يطرح سؤال مشروع حول مدى تنزيل هذا التوجه الملكي على المستوى الترابي من حيث التخطيط والتجهيز والتشغيل.

 

 وهل بادرت السلطات الجهوية إلى وضع وتحيين خرائط المخاطر؟ وهل تحولت الجاهزية من تصور نظري إلى ممارسة ميدانية قابلة للاختبار؟ لأن الجاهزية المؤسساتية لا تكتمل دون بعدها المجتمعي، فحين تعلم الساكنة بوجود هذه المنصات ووظائفها، وتثق في جاهزيتها، يرتفع مستوى الإمتثال للتعليمات وتتراجع مظاهر الإرتباك زمن الأزمات، كما أن الشفافية في المعطيات والتواصل الهادئ والواضح يعززان الثقة ويجعلان المواطن شريكا فعليا في منظومة الحماية. وبذلك يفتح الإستباق الذي أطلقته المؤسسة الملكية أفقا عمليا لبناء قدرة جماعية على مواجهة الأخطار. كما أن تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة يمر عبر سرعة التعميم وحسن التنفيذ، والتعلم المستمر من التجارب. فدرس الحوز ما يزال حاضرا بقوة في الذاكرة الوطنية باعتباره دعوة دائمة إلى أن تكون الجاهزية فعلا حاضرا، وأن تتحول الرؤية الاستراتيجية إلى سياسة ترابية فعالة حتى نكون على أتم الإستعداد لمواجهة كل الطوارئ.