رياض وحتيتا خبير فلاحي
عرف المغرب خلال الفترة الأخيرة تساقطات مطرية مهمة انعكست إيجابًا على مخزون عدد من السدود، وأعادت النقاش حول وضعية الموارد المائية. غير أن هذه الظرفية الإيجابية، رغم أهميتها، لا يجب أن تُفهم بمنطق الاطمئنان المؤقت، بل ينبغي استثمارها كفرصة لإعادة هيكلة تدبير المياه على أسس علمية مستدامة.
لقد شكّلت سياسة السدود التي أطلقها العاهل الراحل الملك الحسن الثاني، رحمه الله، خيارًا استراتيجيًا استباقيًا مكن المغرب من تأمين جزء مهم من موارده المائية، ولولا هذه الرؤية المتبصرة، إلى جانب مواصلة وتعزيز هذا التوجه في ظل الرؤية المتقدمة للملك محمد السادس، لكانت الأوضاع المائية اليوم أكثر حدة وتعقيدًا.
تُعد نمذجة مياه السدود أداة علمية تعتمد على التمثيل الرياضي والمحاكاة الرقمية لسلوك الموارد المائية، وتُمكّن من الانتقال من تدبير آني قائم على ردّ الفعل إلى تدبير استباقي مبني على التوقع وتحليل السيناريوهات، سواء في فترات الجفاف أو خلال الأوضاع القصوى.
وتُبرز فيضانات مدينة القصر الكبير، خاصة تلك المسجلة سنة 2009 على وادي اللوكوس، أهمية اعتماد النمذجة الهيدرولوجية في تدبير الموارد المائية. فرغم توفر السدود العليا، أدت الارتفاعات المفاجئة في الصبيب إلى غمر أحياء واسعة وخسائر مادية جسيمة، ما أكد أن غياب التوقع المسبق وتنسيق الإطلاقات المائية قد يحوّل وفرة المياه إلى خطر حقيقي.
و تؤكد فيضانات مدينة القصر الكبير ل2026، أهمية هذا النهج العلمي، حيث أظهرت التجارب أن غياب التنسيق المبني على نمذجة دقيقة لتدفقات الأودية وتسيير السدود العليا قد يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية، رغم توفر الموارد المائية. وهو مثال واضح على أن وفرة المياه، في غياب النمذجة، قد تتحول من نعمة إلى خطر.
إن التعويل على سنة مطرية واحدة يظل خيارًا محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل عدم انتظام التساقطات. ومن هنا، تبرز ضرورة استغلال الأمطار الأخيرة لتحديث النماذج الهيدرولوجية وتحسين تسيير السدود، بدل الاكتفاء بتدبير ظرفي قد يعمّق هشاشة المنظومة المائية.
و في الاخير فإن بناء حكامة مائية رشيدة يقتضي الجمع بين الإرث الاستراتيجي لسياسة السدود والرؤية المستقبلية القائمة على النمذجة العلمية، بما يضمن الأمن المائي ويُحصّن البلاد أمام دورات الجفاف والفيضانات معًا.
وفي هذا السياق، لا يفوتنا التنويه بالمجهودات الكبيرة التي بذلتها السلطات المحلية ومختلف المصالح المعنية، وعلى رأسها الوقاية المدنية، التي أبانت عن جاهزية عالية وتدخل سريع وفعّال في إجلاء المتضررين بمدينة القصر الكبير عقب الفيضانات الأخيرة، والحد من الخسائر البشرية. وهو ما يعكس أهمية العمل الميداني والتنسيق المؤسساتي في تدبير الأزمات المائية، إلى جانب ضرورة تعزيز هذا الجهد بنهج استباقي قائم على النمذجة العلمية والإنذار المبكر.