محمد النصراوي
تقف منطقة الشرق الأوسط اليوم أمام مشهد استراتيجي شديد التعقيد، حيث تتداخل الحشود العسكرية الضخمة مع الحسابات السياسية المعقدة في واشنطن وطهران، في لحظة تاريخية تتجاوز مجرد التلويح بالقوة إلى محاولة إعادة رسم موازين القوى بشكل جذري، إن الوجود العسكري الأمريكي المكثف في مياه الخليج والمتوسط، والذي يكلف الخزانة الأمريكية مليارات الدولارات، لم يعد مجرد أداة للردع أو الاستعراض، بل تحول بمرور الوقت إلى ضغط سياسي داخلي خانق على إدارة الرئيس ترامب؛ فالاقتصاد السياسي للحروب لا يسمح ببقاء هذه الحشود في حالة استنفار دائم دون تحقيق نتائج ملموسة، وهو ما يضع ترامب بين مطرقة التكلفة المالية الباهظة وسندان الوعود الانتخابية بتقليص الإنفاق العسكري الخارجي، ويتفاقم هذا الضغط مع تصاعد نبرة اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، الذي بدأ يرسل إشارات واضحة لترامب بأن أي تراجع أو انسحاب دون توجيه ضربة موجعة لإيران سيُفسر على أنه ضعف استراتيجي، مما قد يهدد قاعدته الانتخابية الصلبة التي تراهن على منطق "القوة الحاسمة" لا "الدبلوماسية المترددة".
في المقابل، تدير طهران هذه الأزمة بعقلية "الصبر الاستراتيجي" المشوب بتهديدات وجودية، حيث يبرز تباين حاد في الرؤية العسكرية بين الطرفين؛ فواشنطن تميل إلى ما يمكن تسميته "الضربة الشاملة"، وهي عملية عسكرية، مكثفة، وسريعة، تستهدف شل القدرات العسكرية والنووية الإيرانية في وقت قياسي دون التورط في وحل الوجود البري، لكن طهران تدرك جيداً فجوة القوة التكنولوجية، لذا فهي تلوح بمفهوم "الحرب الشاملة" التي لا تقتصر على الجغرافيا الإيرانية، بل تمتد لتشمل الإقليم بأسره عبر شبكة وكلائها وممرات الطاقة الدولية، إن إيران تستخدم هنا منطق "حرق المنطقة" كأداة ردع نفسي وسياسي، لإيصال رسالة مفادها أن ثمن استهداف النظام سيكون انهيار الاستقرار العالمي في سوق الطاقة، وهو سلاح فعال في مواجهة إدارة أمريكية تضع النمو الاقتصادي في مقدمة أولوياتها، وفي هذا السياق، يبرز الدور الإسرائيلي كمحرك خفي وفاعل، حيث تسعى تل أبيب بكل ثقلها الدبلوماسي والاستخباري لدفع واشنطن نحو مواجهة مفتوحة، تنهي طموحات إيران الإقليمية مرة واحدة وإلى الأبد، مستغلة حالة التوافق في الأهداف بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو لتقويض ما تسميه "رأس الأفعى".
وعند تشريح المقترح التفاوضي الذي لوح به ترامب مؤخراً، نجد أنه يتجاوز كونه اتفاق سلام تقليدي ليأخذ شكل "شروط استسلام مقنعة"؛ فالمطالب الأمريكية الثلاثة المتمثلة في تفكيك البرنامج النووي بالكامل، وإنهاء تطوير الصواريخ البالستية العابرة للقارات، وتقليص النفوذ الإقليمي الإيراني، هي في جوهرها مطالب تستهدف تجريد الدولة الإيرانية من أركان قوتها الوجودية، إن قبول طهران بهذه الشروط يعني عملياً انهيار بنية الدولة القائمة على تصدير الثورة والعمق الاستراتيجي العابر للحدود، وتحولها إلى دولة "عادية" منزوعة الأنياب، وهو ما تراه القيادة في طهران انتحاراً سياسياً؛ ومن هنا، تبرز الاستراتيجية الأمريكية التي تحاكي تجربة واشنطن في فنزويلا، حيث تميل إدارة ترامب إلى نموذج "تغيير هرم السلطة" أو إضعافه من الداخل عبر العقوبات القصوى وكسر منظومة القيادة والسيطرة، بدلاً من الحرب البرية الشاملة التي تذكر بمرارة التجربة في العراق وأفغانستان.
السيناريو العسكري المحتمل، في حال فشل المسار الدبلوماسي، يبدو أنه سيتجه نحو استهداف "سلسلة القيادة" الإيرانية؛ أي ضرب مراكز اتخاذ القرار، ومنظومات الاتصالات السيادية، والقادة المؤثرين، بهدف إحداث حالة من الشلل التنظيمي داخل الحرس الثوري ومؤسسات الدولة؛ ومع ذلك، تبقى الرؤية الاستراتيجية الأمريكية واقعية في نقطة جوهرية، وهي صعوبة إسقاط النظام الإيراني من الخارج، لذا يتركز الهدف على "الإضعاف الهيكلي" الذي يجعل النظام عاجزاً عن الفعل الخارجي، ومشغولاً بلملمة جراحه الداخلية، وبمقارنة بسيطة مع النموذج الفنزويلي يظهر أن ترامب يفضل "الخنق الاقتصادي" مدعوماً بتهديد عسكري، لإجبار الخصم على التآكل الذاتي أو القبول بشروط مذلة على طاولة المفاوضات.
وبالنظر إلى المعطيات الميدانية والسياسية، يبقى التوازن بين الحل الدبلوماسي والمواجهة العسكرية هشاً للغاية، وعلى الرغم من التصعيد اللفظي والحشود، فإن توجيه الرئيس الإيراني مؤخراً بدراسة مقترح التفاوض يشير إلى أن طهران قد تكون بصدد البحث عن "مخرج مشرف" يقيها شر الضربة الشاملة، دون أن يعني ذلك بالضرورة قبولاً تاماً بالشروط الأمريكية، إنها لعبة "عض الأصابع" في لحظاتها الأخيرة، حيث الرهان ليس فقط على من يمتلك السلاح الأقوى، بل على من يمتلك القدرة على تحمل الضغوط الداخلية واقتناص الفرصة السياسية قبل انفجار الصاعق، ورغم أن النتائج لا تزال غير محسومة، إلا أن المنطقة تترقب تحولاً في قواعد الاشتباك قد ينهي عقوداً من الحرب الباردة بين واشنطن وطهران، إما بتسوية تاريخية مؤلمة، أو بانفجار يعيد صياغة خرائط النفوذ بالحديد والنار.