عبد الإلاه القصير: عندما تختلط الدموع بالسيول ويتماسك الوطن

عبد الإلاه القصير: عندما تختلط الدموع بالسيول ويتماسك الوطن عبد الإلاه القصير

عندما تمتزج السيول بالدموع، لا يعود الماء ماءً فقط، بل يصبح ذاكرة سائلة، وشاهدا على لحظةٍ يتقاطع فيها الطبيعي بالإنساني، والجغرافي بالوجداني. هذه الصورة لم تعد مجازا أدبيًا، بل واقعًا يعيشه المغرب اليوم بعد سنواتٍ طويلةٍ من الجفاف وندرة المياه. سنواتٍ كان فيها الناس يرفعون أبصارهم واكففهم إلى السماء رجاءَ غيثٍ يُحيي الأرض. لقد جاء المطر أخيرًا… لكنه جاء دفعةً واحدة، و كأن السماء تعتذر بعنف للانسان، وللارض. الأرض التي أنهكها العطش والتي لم تعد قادرة على الشرب واطفاء ظمئها بهدوء.

 

حين تُغمر الطرقات والمدن والدواويربالمياه،  تغرق معها الذكريات المعلّقة على الجدران، دفاتر الأطفال، صور العائلات، وأشياء صغيرة كانت تختزل حياةً كاملة. عند عتبات البيوت الموحلة تقف أسرٌ فقدت المأوى، تحمل ما خفّ وزنه وغلا ثمنه في القلب. هناك اختلط ماء السماء بماء العيون، ولم يعد واضحًا: أهذا فيضان الطبيعة أم فيضان الحزن الإنساني؟

 

غير أن المشهد، رغم قساوته، لم يصبح فوضى خالصة. فوسط اختلاط الدموع بالسيول، برز وجه الدولة وهي تتحرك بثقلها الكامل. تعبئة للسلطات المحلية، تدخلات للوقاية المدنية، القوات المسلحة، الدرك، والأطر الصحية، إلى جانب متطوعين ومواطنين عاديين، جميعهم في سباقٍ مع الزمن لإنقاذ الأرواح قبل الممتلكات.

 

من تجربة جائحة كوفيد19 وما رافقها من تعبئة صحية وصناعية وتنظيمية، إلى زلزال الحوز حيث تحولت الجبال إلى فضاء تضامن وطني واسع، وصولًا إلى الفيضانات الحالية قي مدن الشمال ومناطق أخرى ، يتكرر المسار نفسه: صدمة، ثم تنظيم، ثم استجابة ميدانية، ثم التفاف مجتمعي حول الجهد الرسمي. بحيث لم يعد تدبيرالازمات مجرد إجراء تقني، بل صار تعبيرًا عن نضجٍ مؤسساتي تَشكَّل عبر تراكم التجارب، وعن خبرة وطنية في التنسيق واللوجستيك والتدخل الاستعجالي. وبهذا يبرهن المغرب، في كل أزمة، على قدرته في تدبير الشدائد بالاعتماد على إمكاناته الذاتية.

 

ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه المحن لا تكمن فقط في الخروج منها، بل في ماذا نخرج به منها. الأزمات تكشف الهشاشة، لكنها تكشف أيضًا الإمكانات. ومن هنا يمكن أن يتأسس مغرب الغد، إذا تحوّل الألم إلى وعي، والصدمة إلى إصلاح.

 

الدرس الأول أن الطبيعة لم تعد استثناءً عابرًا، بل عنصرًا دائمًا في معادلة التخطيط. وهذا يقتضي تعميرًا يحترم مجاري المياه ومنطق الجغرافيا، وبنيةً تحتية تُبنى على أساس المخاطر لا على أساس الظرف العادي، وثقافةً مجتمعية في الوقاية، حيث يصبح الوعي بالكوارث جزءًا من التربية والسلوك اليومي، لا مجرد خبر موسمي. هكذا تتحول الأزمة من حدثٍ طارئ إلى مدرسة وطنية للتعلم الجماعي.

 

لكن الأساس الأعمق لا يوجد في الإسمنت وحده، بل في الإنسان. ففي كل مرة تضرب فيها محنة، يبرز التضامن الإنساني كقوةٍ صامتة تعيد لُحمة المجتمع: أبواب تُفتح للمتضررين والمحتاجين ، مساعدات تُجمع، شباب يتطوع، أيادٍ تمتد دون سؤال. هذا التضامن ليس فعلًا عابرًا، بل رأسمال أخلاقي ووطني هائل وجب تدعيمه واستتماره كرصيد وطني يؤسس لجبهة وطنية داخلية متماسكة البناء: جبهة تقوم على الثقة. ثقة المواطن بأن دولته حاضرة في الشدائد، وثقة الدولة بأن مجتمعها متماسك، وثقة الناس بعضهم ببعض. هذه الثقة هي التي تعيد للمواطن حبَّه للوطن لا كشعارٍ مجرد، بل كتجربة معاشة يرى فيها يده في يد غيره، وجهده جزءًا من جهد أكبر، وألمه غير متروك وحاجياته ملبات.

 

هكذا، بين السيول التي تكشف الهشاشة، والجهود التي تكشف القوة، تتشكل صورة بلدٍنا المغرب الذي رغم الازمات لا ينهار ولا يسقط لكنه يتعلم، وينطلق أسرع في كل مرة ليصبح بلدًا لا يتقن تدبير الأزمات فقط بل يُحولها إلى لحظات تأسيس: لبنيةٍ أصلب، ولمؤسساتٍ أقدر، ولمجتمعٍ موحد، متضامنً، ومؤمن بأن الوطن يُبنى في الشدائد كما يُبنى في الرخاء.