فيضانات القصر الكبير.. البروفيسور عزّ الدين الإبراهيمي يحكي عن الخوف من المجهول

فيضانات القصر الكبير.. البروفيسور عزّ الدين الإبراهيمي يحكي عن الخوف من المجهول البروفيسور عزّ الدين الإبراهيمي ومشهد لفيضانات بالقصر الكبير

بعد الصدمة والغضب… ماذا علينا أن نفعل؟
بعد الصدمة… وبعد أن عشتُ الخوف كما عاشه كل قصراوي، بحكم تواجدي بالقصر الكبير يومَي الفيضانات الأوّلين، ورأيتُ بأمّ عيني القلقَ والخوفَ من المجهول… كان بإمكاني أن أكتب بدافع الغضب والهيستيريا، ولكنّي تريّثت وقرّرت، وبعد الصدمة، أن أكتب بدافع الأمل المسؤول.


نعم، لا يجدي اليوم الخوض في التفاصيل التقنية ولا البحث في المسؤوليات، بل علينا أن نستردّ وعينا. علينا جميعًا أن نربط جأشنا وأن نُجمِع على عهدٍ واضح، وبدون تردّد: مهما كان الثمن، وبحولٍ من الله وقوّته، لن يموت أحدٌ منّا بسبب الفيضانات، وأننا سنعود ونُعيد الحياة إلى مدينتنا…

 

ونحن نستعيد توازننا، نجد السؤال الذي ينخر الإحساس الجماعي، والذي يسكن كل عائلة من عائلات هذه المدينة: ماذا علينا أن نفعله الآن؟ وكيف ستتطوّر الأمور؟


ورغم أنّني لست من مدبّري الشأن العمومي، ولكن بحكم تجربتي المتواضعة في تدبير الأزمات، وددتُ أن أتقاسم معكم تصوّرًا لمراحل تطوّر هذه الأزمة، قائمًا على ثلاث ركائز واضحة: إنقاذ الإنسان اليوم، حفظ كرامته غدًا، ورفض العودة إلى الخطر بعد سنة…

 

1- المرحلة الآنية: مرحلة الاستعجال والشتات
الهدف الأسمى لهذه المرحلة هو إنقاذ الأرواح، فهذه أولوية مطلقة. وهنا لا بدّ من أن نُثمّن عاليًا الرعايةَ الملكيةَ السامية، والتدخّلَ الحاسم لقواتنا المسلحة، وكذا مجهودات السلطات المحلية والأمنية من أمن ودرك ومطافئ وقوّات مساعدة، وكذلك السلطات المنتخبة.


كما أُعبّر عن فخري الكبير بتجاوب القصراويين مع القرارات في هذا الظرف العصيب والصعب؛ فرغم لوعة الفراق والخوف من المجهول، غادر أغلب القصراويين بيوتهم وأزقّتهم، بل قبلوا أن يُجتثّوا مؤقّتًا من منازلهم حتى لا يموت أحدٌ منّا.


ما نطالب به اليوم هو حدٌّ أدنى من التواصل والوضوح، فأرواحنا ما زالت هناك، حتّى وإن نزحت أجسادنا…

أمّا مرحلة الشتات، والتي نعيشها كذلك الآن، فنحن اليوم أمام واقعٍ مؤلم؛ فجزءٌ من القصراويين تحت الخيام داخل المدينة، وآخرون نازحون إلى مدنٍ أخرى، مقابل من بقوا مستقرّين في بيوتهم داخل القصر الكبير أو خارجها.
ولي كامل الثقة أنّ مدبّري الشأن العمومي سيعتنون بأصحاب الخيام، لكنّ المسؤولية الأكبر اليوم تقع علينا نحن المستقرّين في المدن الأخرى. كثيرٌ من إخواننا فقدوا عملهم وقوتَ يومهم، ونزحوا بالقليل القليل. علينا أن نكون أنصارَ هؤلاء المهاجرين، وأن نأخذ بأيديهم ولو إلى حين، ولا يهمّ أن تطول المدّة أو تقصر، فبحفظٍ كاملٍ لكرامتهم يجب التضامن معهم على أرض الواقع، واحتضان كلّ من اضطرّ إلى مغادرة بيته دون وصمٍ ولا إهمال.
نعم، يجب أن نحفظ كرامتهم وكرامتنا: كرامةَ النازحين، وكرامةَ الصامدين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون…

 

2- على المدى القصير: مرحلة التعافي
وهذه أصعب المراحل؛ فيها يجب ألّا نستعجل العودة قبل تقييمٍ دقيق وشفّاف للأضرار، وقبل إعادة الخدمات الحيوية، مع مواكبة نفسية واجتماعية حقيقية للمتضرّرين. فنحن نرنو إلى عودةٍ للحياة الطبيعية تجبر الضرر بكرامة، وتداوي الجراح الظاهرة والخفيّة. فالتعافي ليس عودةً عمياء إلى ما كان، بل بدايةٌ أهدأ وأصلب…

أمّا بالنسبة للأسئلة التي تؤرّقنا جميعًا: هل ستُدكّ مدينتنا وتَصير خرابًا؟ وهل سنعود يومًا إلى حيّنا؟ هل سنعود كما كنّا من قبل؟
فالجواب سهلٌ ممتنع: مهما كلّفنا الثمن، وإن اضطررنا إلى إعادة بناء كلّ المدينة، فسنفعل… لبنةً لبنة… بإذن الله.

 

3- على المدى المتوسّط: مرحلة الوقاية
يجب أن نتّفق جميعًا على أنّ الوقاية ليست ترفًا، بل حقًّا. علينا كمدينة، وكمسؤولين وطنيين وجهويين ومحليين، وكساكنة، أن نقرّر بوعيٍ جماعي ألّا نعود أبدًا إلى هذه الوضعية.


علينا أن ننظر إلى المستقبل بعينٍ مفتوحة، وأن نبني مدينةً لا تفاجئها المياه ولا تُؤخذ على حين غفلة. علينا إعادة تقييم دور منشآت الحماية والوقاية، وإرساء نظام إنذارٍ مبكّر فعّال، وتهيئة المجال النهري بما يحمي المدينة.


كما علينا مراجعة التخطيط العمراني ومنع البناء في مناطق الخطر، فالوقاية ليست ترفًا بل حقًّا، وبدونها ليس هناك مستقبلٌ لمدينتنا…

 

وفي الأخير… كلّي ثقة أنّه من رحم هذه المحنة سننهض جميعًا، دون تخلّف أيّ أحدٍ منّا، لا لأنّنا مجبرون، بل لأنّنا مغاربة… وقصراويون…

حفظنا الله جميعًا.