سعيد الكحل
شكّل احتضان المغرب لكأس إفريقيا للأمم فرصة حقيقية لتأكيد أهمية الإستراتيجية الملكية في التوجه نحو إفريقيا والانفتاح عليها. لقد اختار جلالة الملك محمد السادس التعاون الإفريقي وفق مبدأ "رابح/رابح". لم يتأفف جلالته من الاصطفافات المناوئة للوحدة الترابية للمغرب ولا واصل سياسة الكرسي الشاغر في الهيئات الإفريقية. بل اعتمد الحكمة في إعادة بناء العلاقة مع الدول الإفريقية على أساس المصالح المشترة والمنافع المتبادل، والتي جعلها مفتاحا لتغيير مواقف غالبية الدول الإفريقية لفائدة القضية الأولى للمغاربة، حيث أثمرت عودة المغرب إلى "البيت الإفريقي" وافتتاح 23 قنصلية في مدينتي العيون والداخلة. إنها رؤية شاملة ارتقت بسمعة المغرب دوليا إلى المرتبة 51 من أصل 193 دولة لسنة 2026 وفق تقرير مؤسسة "براند فاينانس" البريطانية.
اليد الممدودة.
منذ اعتلاء العرش، اختار جلالته نهج اليد الممدودة نحو الجزائر باعتبارها الدولة الوحيدة التي تجعل من معاداة المغرب عقيدتها السياسية والعسكرية. إذ لم يستعمل، إطلاقا، في خطبه ورسائله ما يحيل إلى قولة الملك الراحل الحسن الثاني " ليعلم الناس مع من حشرنا الله في الجوار"؛ بل كثيرا ما دعا جلالتُه حكام الجزائر إلى الحوار وطي صفحة الخلافات " ويشهد الله أنني طالبت، منذ توليت العرش، بصدق وحسن نية، بفتح الحدود بين البلدين، وبتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية. وبكل وضوح ومسؤولية، أؤكد اليوم أن المغرب مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين"(خطاب المسيرة 2018). ورغم الدعم العسكري والدبلوماسي والإعلامي والمخابراتي الذي توفره الجزائر للبوليساريو، فإن جلالته اختار نهج الحوار بأن وجه الدعوة إلى رئيس الجزائر، مباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن 2797 الذي أقبر نهائيا أطروحة الانفصال معتبرا أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل "الحل الأكثر جدوى": "أدعو أخي فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، لحوار أخوي صادق، بين المغرب والجزائر، من أجل تجاوز الخلافات، وبناء علاقات جديدة، تقوم على الثقة، وروابط الأخوة وحسن الجوار". ومن أجل تلطيف الأجواء بين الشعبين المغربي والجزائري، أهاب جلالته "بالمغاربة، لمواصلة التحلي بقيم الأخوة والتضامن، وحسن الجوار، التي تربطنا بأشقائنا الجزائريين؛ الذين نؤكد لهم بأنهم سيجدون دائما، المغرب والمغاربة إلى جانبهم، في كل الظروف والأحوال".
تكريس الانتماء إلى أفريقيا.
في عز تأجج الغضب الشعبي من الأحداث التي شهدتها المباراة النهائية بين المنتخب المغربي ونظيره السنغالي، والتي كانت تنفيذا لمخطط تآمري يروم إفساد العرس المغربي، جاء بلاغ الديوان الملكي ليقطع الطريق على تجار الفتنة بالتشديد على الانتماء الإفريقي للمغرب ومتانة علاقات الشراكة والتعاون بين المغرب والدول الإفريقية "فلا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية، ولا بالتعاون المثمر القائم بين مختلف بلدان القارة والذي ما فتئ يتعزز بشراكات أكثر طموحا.إن المملكة المغربية كانت وستظل بلدا إفريقيا كبيرا وفيا لروح الاخوة والتضامن والاحترام الذي كرسه على الدوام تجاه قارته. وطبقا للرؤية المتبصرة لجلالة الملك، فإن المغرب سيواصل التزامه الراسخ والثابت لفائدة إفريقيا موحدة ومزدهرة، لاسيما عبر التقاسم المشترك لتجاربه وخبرته ومهاراته”. خصوصا وأن المبدأ الرئيسي الذي تقوم عليه الإستراتيجية الملكية هو "إفريقيا للأفارقة" اعتبارا لكون القارة مخزونا إستراتيجيا للطاقة وإحدى أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية والمعدنية (أكثر من 60٪ من الأراضي الزراعية الخصبة العالم، 50٪ احتياطي الذهب في العالم، 80٪ من أجمالي البلاتين في العالم)؛ الأمر الذي يجعلها عرضة للنهب والاستغلال من طرف القوى الأجنبية.
لم يسْع جلالته إلى الانضمام إلى أوروبا ولا راوده الحلم إلى ذلك، بل ظل حريصا على تطوير العلاقات مع الدول الإفريقية وفق مبدأ رابح/رابح. توجُّه أعاد جلالته التأكيد عليه في رسالته إلى الدورة الرابعة للقمة الافريقية الأوروبية التي انعقدت في بروكسيل سنة 2022: "كما أكدت ذلك مؤخرا في أبيدجان، لابد للبلدان الإفريقية أن تصبح أكثر وعيا بمؤهلاتها الكثيرة وبأهمية مواردها البشرية والمادية.
وهذا هو التوجه الذي حرصت منذ اعتلائي العرش على إعطائه لعلاقة المملكة بأشقائها من البلدان الإفريقية، من خلال استراتيجية تعتمد على فضائل التعاون جنوب-جنوب وعلى ضرورة تحقيق تنمية بشرية متوازنة ومستدامة".
من ثمار الإستراتيجية الملكية فتح آفاق الاستثمار بالقارة الإفريقية بحيث صار المغرب ثاني مستثمر في القارة (5.2 مليار دولار سنة 2023). فضلا عن المبادرات الرائدة التي قدمها جلالته للقارة، ومنها: تأسيس منظمة حلف شمال الأطلسي الأفريقي في يونيو 2022 بالرباط بمشاركة 21 دولة أفريقية مطلة على المحيط الاطلسي الأفريقي؛ وتهدف هذه المبادرة، وفق الرسالة الملكية إلى المشاركين في قمة “إفريقيا من أجل المحيط” التي احتضنتها مدينة نيس الفرنسية من 9 إلى 13 يونيو 2025 إلى "التفكير في هذا المحيط بشكل جماعي، وتدبيره وحمايته بشكل مشترك. فلا بديل عن مقاربة إفريقية منسقة من أجل تحسين سلاسل القيمة البحرية، وتأمين الطرق التجارية، والظفر بحصة أكثر إنصافا من الثروة المحيطية العالمية"؛ ثم أنبوب الغاز نيجيريا المغرب نحو أوروبا، ومبادرة منح دول الساحل منفذا إلى المحيط الأطلسي.
رؤية الملك نقلت المغرب من بلد واجه السكتة القلبية وخضع للابتزاز الأوروبي عقودا إلى دولة صاعدة وقوة إقليمية فرضت وجودها واحترامها وصارت لاعبا أساسيا ومؤثرا في إفريقيا؛ دولة شقت طريقها نحو التصنيع والابتكار وتنويع مواردها بعد أن كانت مرهونة بالتقلبات المناخية لدرجة جعلت المقيم العام Théodore Steeg ثيودور ستيغ، الذي خلف المارشال ليوطي ينحت مقولته " Au Maroc, gouverner, c'est pleuvoir». مقولة فقدت زخمها أمام تواتر سبع سنوات جفاف، ومضاعفة الناتج الداخلي الخام ثلاث مرات بحيث لم تعد الفلاحة تمثل سوى 12 في المائة من الناتج الداخلي الخام بعدما كانت تمثل 20 في المائة.
هكذا قطع المغرب مع التخطيط الخماسي وتبنى التخطيط الإستراتيجي عبر وضع مخططات إستراتيجية حسب القطاعات (إستراتيجية الجيل الأخضر، مخطط التسريع الصناعي المدني والعسكري، والإستراتيجية الوطنية لتطوير اللوجستيك (خلق 6 أقطاب مينائية متكاملة) ومخطط أليوتيس، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، رؤية 2030 للسياحة المستدامة).