عبد الفتاح الزين
تنشر جريدة "أنفاس بريس" سلسلة مقالات تحليلية للسوسيولوجي المغربي عبد الفتاح الزين، حول موضوع "الثورة الرقمية وتحولات الاتصال والإعلام"، مقدما نموذج المغرب لتأثيرات هذه الثورة والتحولات الكبيرة التي أحدثتها داخل المجتمع.
لقد غيرت الثورة المعلوماتية بشكل جذري المناهج الإرشادية (les paradigmes) للاتصال والإعلام بانتقالهما من نموذج انتشار تنازلي إلى بيئة نسقية تفاعلية مشخصنة وآلية. هكذا تحولت أنماط الاتصال والتواصل؛ حيث تطورت الشبكات الاجتماعية نحو تشظّي الاستخدامات/الاستعمالات وسرعتها؛ إذ تم تكثيف المجال والزمان وتداخل الواقعي مع الافتراضي. فمثلا، أصبحت إمكانية التبضُّع عن بعد من خلال مواقع العرض عملية روتينية، والشراء عبر التطبيقات مسألة معتادة وعولمية، كما أن الاتصال بمن ترغب في التواصل معهم مسألة تتم عبر تعددية الوسائط (الشفوي، والمكتوب، والسمعي البصري) le multimédia.
فقد ظهرت دعامات جديدة كوسائل العرض الدينامي وتطبيقات الفيديو (اليوتيوب، التكتوك، الواتساب، الخ.) التي تشتغل كقنوات تستخدمها/تستعملها فئات واسعة، وعليها إقبال في الاتصال والوسائط متى ظهرت الرغبة ورهن الإشارة ما دامت هناك إمكانية ربط connexion.
هذا التطور في وسائل الاتصال أثر على الإعلام وتمظهراته المهنية والمؤسسية، وحتى على المعلومة. وقد زاد بروز الذكاء الاصطناعي التوليدي l'IA générative الطين بلة؛ إذ بدأت الثقة تهتز تجاه مصادر الخبر مفترضة تدبيرا رفيعا للهوية الرقمية والأمن المعلوماتي من أجل رفع تحدي المصداقية.
هكذا، تحولت النماذج الاقتصادية للوسائط إلى أنظمة الانخراط أو العرض القائم على التحليل المكثف للمعطيات؛ وهو ما خلف آثارا تنظيمية ومجتمعية تجلت في ظهور مهن وأنشطة تؤدي أدوارا جديدة.
غير أننا هنا لن نتحدث عما يهمُّ البعد الرقمي، وما يتعلق بالجوانب التقنية والمعلوماتية، وما يرتبط بها، ولكننا سنتناول بالتحليل ما تعلق بالبعد الديجيتالي على الخصوص. وهنا لا بد من الإشارة إلى أننا سنعتمد على أدوات السوسيولوجيا الديجيتالية Sociologie digitale دون إهمال لما يمكن أن تقدمه لنا السوسيولوجيا الرقمية sociologie numérique من إضاءات حول الموضوع الذي نحن بصدده.