منير الطاهري
لم يعد تراجع عزيز أخنوش داخل المشهد السياسي المغربي مجرد قراءة انطباعية و متمنيات معارضين سياسيين، وإنما أصبحت بالملموس حقيقة تؤكدها الإشارات التي تعتمدها الدولة حين تشرع في إعادة ترتيب واجهتها التنفيذية. فالسياسي الذي قدم باعتباره نموذجا لربط السياسة بمنطق التدبير والنجاعة، تحول تدريجيا إلى عبء سياسي بعد تآكل رصيده الاجتماعي وعجزه عن التفاعل مع الإيقاع الفعلي لرؤية الدولة.
أولا- أهم الإشارات:
أهم وأقوى إشارة في تحليلنا يمكن أن نعزوها إلى غياب رئيس الحكومة عن اجتماع ترأسه الملك بالدار البيضاء حول مشروع سيادي استراتيجي من حجم الناظور غرب المتوسط.
فالغياب عن مثل هذه اللحظات تمت قراءته من طرف جميع المتتبعين بأنه ليس جانبا بروتوكوليا عابرا وإنما يمكن اعتباره إشارة سياسية مباشرة.
وهي واقعة تتقاطع كذلك مع ما يقع داخل حزبه التجمع الوطني للأحرار والذي يحضر لمؤتمر استثنائي لإنهاء مرحلة أخنوش السياسية والوظيفية.
في التاريخ السياسي المغربي، قد نكون أمام منهجية مألوفة تقوم على تفكيك النفوذ بهدوء وليس الإسقاط دفعة واحدة ضمانا لاستمرارية الدولة باستقلالية عن مصير الأفراد.
ثانيا- الأسباب الكامنة: تضارب المصالح وخطر زواج السلطة بالمال.
في علم السياسة، يعرف تضارب المصالح بأنه الوضع الذي تتداخل فيه المصلحة الخاصة للمسؤول العمومي مع واجبه في اتخاذ قرار محايد يخدم الصالح العام. هذا التعريف، الذي استقر عليه في أدبيات الحكامة العمومية المعاصرة، لا يشترط بالضرورة وجود فساد جنائي بالعناصر التبوتية للفعل الجنائي وإنما يكتفي فقط بتوفر احتمالات عقلانية لإمكانية تأثر الموقع الاقتصادي للمسؤول بقراره السياسي.
ماكس فيبر، رائد العقلانية البيروقراطية والمؤسساتية،شدد في تحليله للأخلاق البروتستانتية والدولة الحديثة على ضرورة فصل المجال الاقتصادي الخاص عن السلطة السياسية لضمان عقلنة القرار العمومي. نفس التوجه دهب إليه مونتسكيو عندما اعتبر أن فساد الجمهورية يبدأ حين تستبدل الفضيلة بالمصلحة. روبرت دال كذلك، أشار إلى الموضوع بشكل مباشر عندما اعتبر أن الديمقراطية التعددية تفقد معناها حين تتحول الدولة إلى أداة في يد أقلية اقتصادية.
من هذا المنظور، لم يكن مأزق أخنوش مجرد فشل تقنوقراطي ناجم عن عدم تملك الأدوات العلمية والتدبيرية لكبح الغلاء و حماية القدرة الشرائية، لكنه كان أزمة ثقة أعمق لأن رئيس الحكومة لم ينجح في الفصل بين موقعه السياسي ومصالحه الاقتصادية. ما جعل الدولة تفكر بجدية في الحاجة إلى الحفاظ عن الحياد المبدئي والضروري لنظام الحكامة.
التجارب الديمقراطية الدولية واجهت خطر تضارب المصالح بآليات صارمة بإحداث هيئة عليا للشفافية في الحياة العامة في فرنسا، أو فرض نظام “Blind Trust في كندا مثلا لمنع أي تأثير مباشر للمسؤول على استثماراته.
نفس الشيء في السويد وألمانيا حيث تم وضع إطار قانوني صارم لمنع استفادة الشركات المرتبطة بالمسؤولين من الصفقات العمومية، مع فرض رقابة برلمانية فعالة.
في المغرب وبسبب غياب و ضعف هذه الآليات فقد استشعرت الدولة مع حراك جيل z أن مؤسساتها غارقة في فساد مالي وأخلاقي يزيد من تآكل الثقة في الدولة نفسها.
ثالثا- العِبر التاريخية ومنطق الدولة:
التاريخ السياسي المغربي يبين أن الدولة لا تتسامح طويلا مع تضخم النفوذ حين يتحول إلى خطر على توازنها الداخلي. تجربة الجنرال محمد أوفقير أظهرت أن القوة حين تنفلت من الضبط المؤسساتي تتحول إلى تهديد وجودي. أما في عهد إدريس البصري ورغم طول سنوات نفوذه فقد انتهى خارج النسق حين أصبح عبئا سياسيا على منطق الدولة في مرحلة انتقال بيولوجي حساس.
القاسم المشترك في هذه التجارب هو أن الفاعل السياسي أو الإداري الثانوي يجب أن لا يتجاوز حجم وظيفته، سواء من الناحية الرمزية ( بنبركة، اليوسفي، بنكيران) أو من الناحية الاقتصادية لاسيما عندما تتداخل السلطة بالمصلحة الخاصة، أو من ناحية ارتفاع النفود الأمني والتحكم في أجهزة الدولة( أوفقير، البصري)
هذا المنطق، الذي يسمى منطق الدولة، هو ما يجعلها تتدخل كل مرة لإعادة ضبط المجال ضمانا للاستمرارية.
ما يعيشه أخنوش هو امتداد لهذا المنطق الذي يعتبر أن الرجل لم ينجح في ترجمة رؤية الدولة للمسألة الاجتماعية إلى سياسات ملموسة للتغطية الصحية والضمان الاجتماعي والتشغيل والعيش الكريم، كما تعتبر أن شبهة تضارب المصالح التي تحوم حوله ستغرق الدولة ككل في نقاشات عمومية هي في غنى عنها في هذه المرحلة.
قارئة الفنجان تقول لأخنوش اليوم أن السؤال المطروح اليوم ليس هو إن كان سيغادر بعد قليل أو بعد شهرين، بل متى ترى الدولة أن كلفة بقائه أصبحت أعلى من كلفة إعفائه. ويشهد التاريخ السياسي المغربي أن رجل الدولة حين يصل إلى هذه التقديرات، تكون نقطة الحسم قد اتخدت و لا تتأخر النتيجة كثيرا