المرحوم عبد الهادي بلخياط وعبد الحميد اجماهري
لم تتكثف صورة الأغنية المغربية، كما تكثفت في طبقات صوت الراحل عبد الهادي بلخياط.
أول ما استهواني ثم أغراني ثم استوطنني كانت الجملة الموسيقية التي تغنى فيها بلحظة نثرية في علاقة حب:
"فيوم وانا راحل جوال
انا غادي راحل جوال
بان لي بين الناس خيال
عيونو يائسة وحزينة
فين الشباب بهات وزال
فين الجمال عيى وذبال
غرور قتالتو الغبينة
هو لعبت بيه الايام
هو صدت بيه الاوهام
ورماتو خارج المدينة
هو اللي قلت ليه كنبغيك
وشاف فيا شوفة العدو
وقال لي بزاف عليك
وشوف انا فين و انت فين
وباقي قلبي كيبغيك"
هي التي خلصتني من سلطتين التقيتا في وجداني:
سلطة الأغنية الشرقية كما تسلطن بها علينا عبد الحليم، وقتها كان الحب لا يجد من تعبير سوى آهات أم كلثوم وترانيم حافظ والغوص في رياض عبد الوهاب وأقرانهم.
انفرجت الغيوم، وبان شعاع جميل بين أوراق الشجر في يوم غائم،
وكان صوت عبد الهادي.
والسلطة الثانية كانت الأغنية الملتزمة، كنا نردد، بالحماس أكثر من الطرب، «وعي الإنسان يخلق ذوقه»، ونهاجم البرجوازية الفنية، لا سيما عندما ترتبط بالتلفزيون.
تحررنا على يد، قل على صوت عبد الهادي بلخياط، ولعلي أشكر كثيرا رفاق وأصدقاء القطاع الطلابي الذين كانت لهم الجرأة في وضع أسطواناته "كاسيتات" بين أسطوانات مارسيل وقعبور والعاشقين وسعيد المغربي... وكانت تبدو يانعة وسط كل هؤلاء...
ولعلهم كانوا يحبونه سرا وخفية عن ..." الأيديولوجيا".
بعدها سيصبح جار القمر.. يقوده مع عبد الرفيع الجواهري إلى مخادع أبي رقراق، وفي شطآن الصوت بل شطآن البلاغة والمحيط..
ويصبح جار الأطلس.
وكبرت وأنا أرتجف، في كل مناسبة، عندما يصدح عاليا" هللي يا ربوات الأطلس" قصيدة محمد الحلوي.
وكان الخام الكورالي المعقد، والخام البسيط، في صوته، هو وجهه الآخر. الكثيرون رأوا في ترويض الصوت لينطق بالابتهالات، وبقصيدة المنفرجة أو بالأذان، تحولا/ تغييرا في بوصلة الصوت وترحيل ذبذباته إلى وجهة أخرى...
في الواقع كان الصوتُ وجهَ بلخياط الآخر.
كان بصمتنا الجمالية، الجماعية، لم يعد لنا بعده بصمات منفردة، كان بصمتنا المشتركة، لهذا ربما كانت السلطة السياسية قد اعتبرته في لحظة من اللحظات ريبرتوارا سياديا.
تروى حكاياته مع الحسن الثاني الذي هدده بالسجن حين استجاب لإغراء القاهرة رفقة محمد عبد الوهاب. كان يعتبره إرثا سياديا للمغرب.
وكذلك تروي القصة عندما قرر الأذان في باكستان، فـ«استرجعه»، يكاد يكون بالقيود "المينوت" لأنه اعتبره صوتا سياديا .
أكاد أقول، إنه كان لزاما على أمير المؤمنين أن يتدخل وليس رئيس الدولة فقط لكي يتفاوض معه على القسط الممكن من" السماء" في صوته.
لقد تفاوض معه على حق السماء في صوته وحق المغرب...
لم يتغير بل ظل يتبع صوته، يقتفي أثر صوته الذي رحل به من الطبقات الأرضية إلى طبقات السماء...
لقد فاض عنه صوته فتبعه وقاده إلى الكثافة الروحية في التصوف والتدين والآيات القرآنية...
في حضارة مثل حضارتنا حيث الصوت أثر ميتافزيقي، يكون الأذان والابتهال انتماء واستكمالا للروح أكثر منه تحولا.
تبع صوته إلى آخرهما، آخره هو وآخر صوته...
وإلى آخر سماء...