ادريس الفينة: سفر المغاربة إلى الخارج.. تسارع غير مسبوق

ادريس الفينة: سفر المغاربة إلى الخارج.. تسارع غير مسبوق د ادريس الفينة يتوسط عزيز أخنوش رئيس الحكومة ووالي بنك المغرب

تكشف معطيات الأخيرة أن نفقات سفر المغاربة إلى الخارج لم تعد ظاهرة ظرفية مرتبطة بسياق ما بعد الجائحة، بل مسارًا تصاعديًا واضحًا يعكس تحوّلًا بنيويًا في سلوك الاستهلاك وأنماط العيش. فخلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025، سجّلت هذه النفقات نموًا متواصلًا وبوتيرة متسارعة، ما يجعلها أحد أكثر بنود ميزان الخدمات دينامية.

في سنة 2021، بلغت نفقات السفر إلى الخارج 10,8 مليار درهم، وهو مستوى متدنٍّ نسبيًا، يعكس استمرار القيود الصحية وضعف حركة الطيران الدولية. سنة 2022 شكّلت نقطة الانعطاف الأولى، حيث ارتفعت النفقات إلى 19,3 مليار درهم، أي ما يقارب الضعف في ظرف سنة واحدة، مع عودة السفر التدريجية ورفع أغلب القيود.

هذا المنحى التصاعدي لم يتوقف. ففي 2023، واصلت نفقات السفر ارتفاعها لتبلغ حوالي 26,9 مليار درهم، ثم انتقلت إلى 29,4 مليار درهم سنة 2024. أما سنة 2025، فقد سجّلت قفزة جديدة، حيث وصلت نفقات سفر المغاربة إلى الخارج إلى 32,98 مليار درهم، أي بزيادة +12,3% مقارنة بسنة 2024، وبأكثر من ثلاثة أضعاف مستواها المسجّل سنة 2021  . معدل تطور نفقات السفر للخارج يناهز 32٪؜ مقارنة مع فقط 10% لمداخيل السياحة. ولنا ان نستنتج ماذا سيقع مستقبلا.

هذا التطور لا يمكن تفسيره فقط بتأثير التعافي بعد الجائحة. فاستمرار الارتفاع على مدى خمس سنوات متتالية يدل على تغير عميق في السلوك الاستهلاكي للأسر المغربية. السفر إلى الخارج لم يعد نشاطًا استثنائيًا مرتبطًا بالعطل الطويلة، بل أصبح ممارسة أكثر انتظامًا تشمل العطل القصيرة، الرحلات السريعة، والسفر المتكرر، خاصة لدى الطبقة الوسطى الحضرية.

اقتصاديًا، يعبّر هذا المسار عن توسّع الطلب على الخدمات الخارجية، ويعكس في الوقت نفسه تحسنًا نسبيًا في القدرة على تعبئة موارد مالية مخصّصة للسفر، رغم الضغوط التضخمية. لكنه يطرح أيضًا تساؤلات استراتيجية حول استدامة هذا الاتجاه، خصوصًا في حال تراجع مداخيل السياحة الوافدة أو تباطؤ تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.

نفقات سفر المغاربة إلى الخارج، كما تُظهرها أرقام 2021–2025، لم تعد مجرد بند ثانوي في ميزان الخدمات، بل أصبحت مؤشرًا دالًا على تحوّل اجتماعي واقتصادي عميق، يستدعي قراءة تحليلية تتجاوز الظرفي نحو البنيوي.