خالد أخازي: نجوى كوكوس.. تحرر عريضة احتجاج وترسلها إلى عنوانها البريدي...

خالد أخازي: نجوى كوكوس.. تحرر عريضة احتجاج وترسلها إلى عنوانها البريدي... خالد أخازي

حين فاض وادي اللوكوس، لم يحمل الماء الطين فقط، بل جرف معه ذاكرة سياسية كاملة...وفتح بوابة السكيزوفرينيا السياسية...
مع الأسف... ديباوماسية البيصارة هي نفسها سياسة "العياقة" اللغوية...
في انتظار أن يرحمنا الله قريبا من هذا العبث السياسي...نترجع يوميا مرارة خطاب حزبي بلا طعم وهوية... ولا حتى مرجعية.... 
ففي خضم هذا الفيضان، خرجت نجوى كوكوس... لتدوس على الأعراف السياسية... وتنتقل بحرية ورشاقة لغوية بين صف المعارضة وصف الحكومة... نعم... في المغرب  الحزبي... ممكن هذا... ممكن لك أن تحتج على نفسك... ممكن لك أن تعارض قرارات أخذتها مع حليف حكومي عشية مأدبة حكومية... ممكن لك... هذا...
خاطبت كوكوس  الحكومة… بثقة من لا يعرفها شخصيا، وببرودة من لا يسكنها حزبيا، وبطمأنينة من يعتقد أن الانتماء الحكومي قابل للطي عند أول زخة مطر... وأن لها الحق أن تكون مع وضد كلما دعت الضرورة... وحسب الأزمة...
فمن داخل المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، وقفت كوكوس تطالب الحكومة باتخاذ “إجراءات عاجلة”.
لحظة سريالية مرة ثانية في التاريخ السياسي المغربي: مسؤولة قيادية في حزب حكومي، تطالب حكومة يشارك حزبها بقوة وشراسة في صنع قراراتها وطنيا ومحليا.. كوكوس... تكتب عريضة احتجاج وتضعها في صندوق بريد بيتها.
وفي الحقيقة فخطابها  كات مثاليا من حيث الشكل... أعجب به حتى الرفاق والعدميون والغفر والنفر والغجر... تعاطف، استعجال، لهجة إنسانية، وقلق عميق يليق بحداد غير معلن.
لكن من حيث الجوهر، كان أشبه بمحاولة غسل المسؤولية بالماء الذي غرق فيه الناس...
الماء هنا ليس عنصرا طبيعيا، بل أداة سياسية فعالة.
كوكوس تحدثت عن الحكومة كما يتحدث المواطن البسيط عن “شي جهة فوق”... ومن يتقن" لغة جهات عليا" أكثر من الرفاق الأخوان سادة شراء " الدم"... عفوا الذمم.
كأننا بلا وزراء، ولا تحالف، لا أغلبية، لا توقيعات، لا برامج مشتركة....كوكوس... تحتج على حزبها.... ليس من باب النقد الذاتي... بل فقط لأنها طرية العود السياسي... فالأقدمية والهتاف لا يصنعان طراوة سياسية...
عندها غدت الحكومة مجردة، بلا أسماء، بلا أحزاب، بلا ذاكرة… وبلا حزب الأصالة والمعاصرة طبعا.
وهنا تكمن العبقرية الخطابية:
أن تكون داخل السلطة، لكن تتكلم كأنك تقف في طابور الاحتجاج...
أن تصوت على الميزانيات صباحا، وتطالب بـ“التدخل العاجل” مساء.
أن تكون جزءا من القرار، ثم تستغرب نتائجه علنا.
أما “أمطار الخير”، فقد مرت في الخطاب كتميمة نومت عقل الجماهير.
بالنسبة لكوكوس ...الخير يسقط من السماء، والضرر يأتي من فراغ إداري، والتقصير يولد بلا آب سياسيين.
كوكوس... سيدتي ...هل سألتم عن التخطيط الحضري، ولا عن تدبير مجاري المياه، و عن الاستباق، لأن هذه الأسئلة تقود مباشرة إلى مقاعد الحكم… حيث يجلس حزبكم نفسه حول طاولة القرار...؟
كوكوس لم تقل لنا لماذا لم تتخذ الإجراءات قبل الفيضان.
لم تقل لنا من كان مسؤولا عن غياب الوقاية.
لم تقل لنا ماذا فعل حزبها حين كانت السماء صافية، والمجاري جافة، والفرصة متاحة للتخطيط.
هي فقط طالبت. والمطالبة، في زمن الكوارث، أرخص أشكال السياسة.
وعندما تم تثمين التدخل الملكي وتعبئة القوات المسلحة الملكية، اكتمل المشهد:
الدولة تفعل، والمؤسسة تتحرك، والجيش ينقذ…
أما السياسة، فتلقي خطابا أنيقا.. وتنسحب بهدوء قبل أن تسأل: وماذا عنكم؟
خطاب نجوى كوكوس ليس كبوة  بلاغية، بل نموذج مهوس بفصام الأزمات “أنا معكم ضد ما أشارك فيه”.
سياسة تتقن فن الوقوف على الحبل: لا تسقط من الحكومة، ولا تتحمل وزرها.
سياسة تعرف أن الكاميرا تحب العبارات الكبيرة، لكنها لا تسأل عن الفواتير المؤجلة.
في القصر الكبير، الماء دخل البيوت دون استئذان.
وفي الخطاب، خرجت المسؤولية من الباب الخلفي دون ضجيج.
وبين الفيضان والخطاب، ظل السؤال يطفو بلا إجابة:
هل كانت نجوى كوكوس تخاطب الحكومة فعلا… أم كانت تمارس تمرينا علنيا في تبرئة الذات، استعدادا لموسم سياسي قادم لا تؤمن فيه الأمطار، بل الأصوات؟

 

 

                                              خالد أخازي، كاتب وإعلامي