عبد الرحيم بوعيدة: من يُشرع في هذا الوطن!!

عبد الرحيم بوعيدة: من يُشرع في هذا الوطن!! د.عبد الرحيم بوعيدة

ونحن نعيش على إيقاع فيضانات القصر الكبير، حيث الماء لا يكتفي بأن يجرف الطين والحجارة، بل يوقظ في الذاكرة صورة "آسفي" الأشدّ قسوة والأطول ألماً، كانت البلاد، في زاوية أخرى من المشهد، تغرق في صمت من نوع آخر.. 
صمت لا تصنعه السماء ولا تهبط به الغيوم، بل ينسجه مزاج الحكومة حين تتوقف العدالة عن التنفس، وتصاب محاكم المملكة بشلل لا علاقة له بالقوة القاهرة، بل بسؤال عريض، متعب، يقف في منتصف الطريق كمرآة مكسورة:
من يُشرّع في هذا الوطن؟!

نقولها سريعاً، كما نقول أسماءنا: البرلمان..
تبدو الصورة للوهلة الأولى، مستقيمة كخط في دفتر مدرسي: مشاريع قوانين تُعرض، تُناقش، ثم تُمرَّر بأغلبية ترفع الأيدي أكثر مما ترفع الأسئلة.

لكن السؤال الذي يتسلل خافتاً بين هذه البداهات، كطفل يخاف أن يقطع حديث الكبار، هو: لماذا وُجد القانون أصلاً؟
هل ليكون ميزاناً يضبط الخطورة في شوارع المجتمع، أم حجراً آخر يُرمى في بركة الاستقرار ليصنع دوائر فتنة لا تنتهي؟

طيلة هذه الولاية الحكومية، مرّت قوانين كثيرة كرياح ساخنة على وجوه الناس، تترك جدلاً في العيون وغباراً في الأرواح.. حكومة تتقدم بمشاريعها وهي تملك أغلبية، تمرّ كما تمرّ الجيوش المنتصرة، وكأن البرلمان صار مقعداً احتياطياً في مباراة لا نعرف فيها من يلعب ومن يصفّق..
انقلبت الأدوار، واختلطت المرايا:
هل نحن من نراقب الحكومة؟ أم هي من تعلّمنا كيف ننظر، ومتى نصفّق، وبأي مزاج نفهم؟

مناسبة الكلام، هذا الشلل الذي قاده المحامون حين أوقفوا خدماتهم إلى أجل غير مسمى، فتعثّرت الحقوق في الممرات، وضاعت المصالح في الأدراج، وتوقفت الأموال عند أبواب العدالة..
لا لشيء إلا لأن مسؤولاً حكومياً أراد أن يمرّر مشروع قانون يطال هيئة لها في التاريخ جذور، وفي العالم استقلالية، دون تشاور ولا مائدة حوار، كأن المهنة ضيف ثقيل يُستقبل بقرار لا بنقاش.

دعوني أتكلم هنا، بقبعة السياسي ورداء رجل القانون:
القانون، بالنسبة لي، ليس نصًا يُنسخ، ولا مادة تُمرّر.. هو ذاكرة جماعية، يشبه الأغنية الشعبية: لا تعيش إلا إذا غناها الناس، ولا تُحفظ إلا إذا تشبهت بهم.. وحين نستعيره من بلاد أخرى، يعود إلينا بلهجة غريبة، لا يفهم شوارعنا، ولا يحفظ أسماء أطفالنا..

من المسطرة الجنائية، إلى العدول، إلى المفوضين القضائيين، وصولاً إلى مشروع مهنة المحاماة، يشتعل النقاش ولا يبرد، كأننا في ساحة حرب لا حول طاولة وطن، كأن الحوار صار سلاحاً لا جسراً، وكأن مصلحة البلاد آخر ما يُستدعى إلى القاعة..

المحامون ليسوا هامش هذا الوطن، بل أحد جدرانه الحاملة، صوته حين يُخنق الصوت، ودرعه حين تتعرّى العدالة.. ومن يقول إن المحامي لم يعد يتقن كتابة مذكرة، فليعد إلى الجامعة العمومية، ليسأل: من خربها؟ من أدخل أسئلة الاختيار كبديل عن التفكير؟ من يغيّر مناهج التعليم كما يغيّر معطفه، كل موسم، بلا تشاور مع الهياكل ولا مع العقول التي تدرّس؟

نحن، الأساتذة الجامعيين، قبلنا إصلاحاً نزل ليلاً في صيف ساخن، وما تزال مسالك الماستر مُعطلة، لأننا لم نعد أساتذة، بل موظفين في مكاتب الرؤساء والوزراء والعمداء، نوقّع أكثر مما نناقش، وننفّذ أكثر مما نفكّر..

أي نقاش حول مشروع قانون يجب أن يكون شراكة، لا مبارزة.. يجب أن يحفظ للمهنة هيبتها، لا أن يكون مسماراً جديداً في نعش تاريخها، مهنة كانت عبر القرون أقرب إلى القداسة منها إلى الوظيفة.

رسالتي كسياسي للمحامين والنقباء وجمعياتهم:
لا تراهنوا كثيراً على أحزاب الأغلبية.. ستسمعون كلمات مدهونة بالعسل، ووعوداً لامعة كالزجاج، لكن في لحظة التصويت، سيرفعون الأيدي لأن التحالف أقوى من القناعة، ولأن الانتخابات أقرب من الضمير..
نحن في السياسة نتحرك غالباً فقط حين تقترب صناديق الاقتراع، أو حين تداهمنا أزمة، أو حين يفيض نهر.. أما في الأيام العادية، فنظل جالسين على كراسينا، نراقب الوقت أكثر مما نراقب أنفسنا..

أما أنا، فلا أملك لكم سوى هذا الشكل البسيط من التضامن: لن أصوّت ما دمتم ممتنعين..
وأما النقاش في اللجنة، فقد غسلت يدي منه يوم سمعت وزير العدل، في لجنة العدل والتشريع، يقسم بملء فمه:
“أقسم بالله حتى تدوز هذه المادة"..
وكان يقصد المادة الثالثة من مشروع المسطرة الجنائية..
في تلك اللحظة فقط، فهمت الجواب الحقيقي عن السؤال الأول:
من يُشرّع في هذا الوطن..