فؤاد ابن المير
لم يعد من الممكن قراءة المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب خلال العقدين الأخيرين بمنطق التجزئة أو التدبير القطاعي الضيق، بل بات من الضروري إدراجها ضمن رؤية استراتيجية شاملة يقودها الملك محمد السادس، هدفها إعادة تموقع المغرب في الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وتحويله إلى فاعل محوري يربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم المتوسطي، ويؤهل نفسه ليكون جسراً استراتيجياً بين ثلاث قارات.
في هذا السياق، يكتسي مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط دلالة خاصة، لا تقل أهمية عن ميناء طنجة المتوسط، بل إن المؤشرات التقنية واللوجستيكية توحي بأنه مرشح ليكون مكملًا استراتيجياً له، وربما منافساً له في بعض الوظائف، ضمن تصور متكامل يعكس وعياً ملكياً عميقاً بتحولات التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
منطق الاستباق لا منطق الردّ يؤكد مسار المشاريع المينائية الكبرى بالمغرب أن الرؤية الملكية لا تتحرك بمنطق ردّ الفعل، بل بمنطق الاستباق. فميناء طنجة المتوسط لم يكن مجرد بنية تحتية، بل كان إعلاناً عن دخول المغرب نادي المنصات اللوجستيكية العالمية. واليوم، يأتي ميناء الناظور ليعزز هذا الخيار الاستراتيجي، في ظل تحولات عميقة يعرفها النظام التجاري الدولي، واشتداد التنافس على الممرات البحرية ومناطق العبور.
إن اختيار موقع الناظور، المطل على الواجهة المتوسطية الشرقية للمغرب، ليس اختياراً تقنياً فقط، بل قرارا جيوسياسيا بامتياز، يهدف إلى:
• توسيع مجال النفوذ الاقتصادي المغربي داخل الحوض المتوسطي،
• موازنة التمركز المينائي في الشمال الغربي،
• وتعزيز التكامل الترابي والاقتصادي للجهة الشرقية.
المغرب كحلقة وصل بين القارات
يُعاد اليوم تعريف مفهوم القوة في العلاقات الدولية، ولم تعد القوة العسكرية وحدها المحدد الأساسي، بل أصبحت القدرة على التحكم في سلاسل التوريد، والممرات التجارية، والبنيات اللوجستيكية معياراً مركزياً للنفوذ. وفي هذا الإطار، يراكم المغرب عناصر قوة ناعمة وصلبة في آن واحد، تجعله حلقة وصل طبيعية بين:
• إفريقيا الصاعدة اقتصادياً،
• أوروبا الباحثة عن شراكات مستقرة،
• والعالم الأطلسي والمتوسطي.
ميناء الناظور، إلى جانب طنجة المتوسط، يشكل ركيزة أساسية في هذا الربط الثلاثي، ويمنح المغرب موقعاً تفاوضياً متقدماً في علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية، خصوصاً مع الشركاء الأوروبيين والإفريقيين.
التكامل لا التنافس الداخلي
من الخطأ تحليل ميناء الناظور بمنطق التنافس الداخلي مع طنجة المتوسط، لأن الرؤية الملكية تقوم على التكامل الوظيفي لا على الازدواجية العقيمة. فتنويع المنصات المينائية الكبرى يعزز مرونة الاقتصاد الوطني، ويحصنه من الصدمات الخارجية، ويفتح آفاقاً جديدة للاستثمار الصناعي واللوجستي.
كما أن هذا الخيار يندرج ضمن تصور أوسع لتنمية الجهات، وتقليص الفوارق المجالية، وإدماج الجهة الشرقية في الدورة الاقتصادية الوطنية والدولية، بعد عقود من التهميش النسبي.
رسالة استراتيجية إلى الخارج
يحمل مشروع ميناء الناظور رسالة واضحة إلى الخارج مفادها أن المغرب:
• يخطط على المدى البعيد،
• يربط التنمية الاقتصادية بالاستقرار السياسي،
• ويستثمر في موقعه الجغرافي كرافعة سيادية لا كمعطى جغرافي خام.
وهي رسالة تعزز مصداقية المغرب كشريك موثوق، وقوة إقليمية صاعدة، قادرة على لعب أدوار الوساطة والربط بين فضاءات متباينة المصالح.
خلاصة
إن ميناء الناظور غرب المتوسط ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو ترجمة مادية لرؤية ملكية استشرافية تراهن على المستقبل، وتضع المغرب في قلب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الكبرى. ومن خلال هذا المشروع، يؤكد المغرب مرة أخرى أنه لا ينتظر موقعه في العالم، بل يصنعه بإرادة استراتيجية وقيادة واضحة.
الدكتور فؤاد إبن المير باحث في القانون العام وعلم الاجتماع