أريري: المغاربة اليهود بالبرازيل..غادروا المغرب ولم يغادر المغرب قلوبهم

أريري: المغاربة اليهود بالبرازيل..غادروا المغرب ولم يغادر المغرب قلوبهم عبد الرحيم أريري يتسلم كتابا عن تاريخ المغاربة اليهود بالبرازيل من Marilia Neustein مديرة المتحف اليهودي بساوباولو( يمينا)، ومع Roberta alexandr Sundfeld، المكلفة بالذاكرة والأرشيف بالمتحف

حين اختار الحاخام المغربي "شالوم إيمانويل مويال" Shalom Emmanuel Muyal، الهجرة إلى أدغال الأمازون بالبرازيل عام 1900، كان هاجسه آنذاك القيام بهجرة مؤقتة إلى مدينة Manaus، بهدف جمع تبرعات لفائدة المدرسة التلموذية العبرية بالمغرب، تم العودة إلى أحضان الوطن. لكن الأقدار خطت له مسارا آخر سيقلب المعادلات، ليس فقط بالنسبة للمغاربة اليهود الذين هاجروا إلى البرازيل، بل وسيقلب المعادلات كذلك في البرازيل.

 

فبسبب إصابته في غابة الأمازون بمرض فيروسي خطير يسمى "الحمى الصفراء" Fievre Jaune، لقي الحاخام "شالوم إيمانويل" حتفه بمدينة Manaus في عام 1910. وبالنظر لغياب مقبرة خاصة باليهود، تم دفنه بالمقبرة المسيحية St Jean-Paptiste. 


وهنا نقطة التحول، إذ أصبح الحاخام المغربي من "الأولياء المقدسين" سواء لدى اليهود أو لدى المسيحيين بالأمازون، وأضحى قبره مزارا يتبرك به اليهود والمسيحيين على حد سواء، بحكم أنهم يعتبرونه "قديس المعجزات". لدرجة أن الحكومة الإسرائيلية لما أرادت ترحيل جثمانه عام 1950 (أي بعد ثلاث سنوات على خلق إسرائيل)، رفضت حكومة "ولاية الأمازون" الموافقة على القرار، بمبرر أن الحاخام المغربي أصبح رمزا دينيا وموروثا ثقافيا وروحيا لليهود والمسيحيين على حد سواء. ولترجمة إصرارها على الرفض، قامت حكومة " ولاية الأمازون" بنقل جثمان الحاخام "شالوم إيمانويل" إلى مقبرة يهودية، أحدثث خصيصا بمدينة "ماناوس" بجوار المقبرة المسيحية.

 

لكن ما الذي جعل الحاخام "شالوم إيمانويل" يخاطر بالهجرة من المغرب إلى البرازيل في مطلع القرن العشرين؟
الجواب على السؤال يقتضي استحضار السياق التاريخي الذي كان يعرفه المغرب آنذاك. إذ اشتدت عليه الأطماع الاستعمارية في أواخر القرن 19، خاصة من طرف القوى الكولونيالية الإسبانية والفرنسية، مما أدى إلى إحكام الخناق على المغرب بشكل أفرز انكماشا اقتصاديا وبالتالي تفقيرا للساكنة، خاصة في المنطقة الشمالية التي كانت تشهد تغلغلا للاستعمار الإسباني منذ هزيمة المغرب في حرب 1870.

 

للهروب من هذا الوضع، اختار العديد من المغاربة اليهود الهجرة صوب أمريكا اللاتينية بحثا عن مورد رزق، وبحثا عن فرص عمل لادخار موارد مالية تسمح لهم بالعودة للمغرب واستثمارها في مشاريع تجارية أو مهنية. وهذا ما يفسر كيف أن معظم المغاربة اليهود الموجودين بأمريكا اللاتينية ينحدرون من مدن: تطوان والعرائش وأصيلة وطنجة. لسبب بسيط يتجلى في أن ساكنة شمال المغرب تجيد التحدث باللغة الإسبانية بشكل يسمح لهم بالتواصل والاندماج بسرعة في بلدان أمريكا اللاتينية.

اليوم تعتبر البرازيل ثاني بلد بأمريكا اللاتينية ( بعد الأرجنتين) يضم الطائفة اليهودية، علما أن  يهودا آخرين استقروا في فيزويلا وكذا بغرب البيرو. والباراغواي.

 

المغاربة اليهود الذين اختاروا الهجرة إلى البرازيل أغرتهم شهرة "تجارة الكاوتشو" التي كانت مزدهرة في غابات الأمازون في النصف الثاني من القرن 19. فتوجهوا فرادى وجماعات إلى هناك مستفيدين من شبكة علاقات نسجها اليهود الأوائل الذين استقروا بالمنطقة. ونظرا لوفرة الفرص وسخاء غابات الأمازون، بدأ المغاربة اليهود ينادون على أقربائهم من شمال المغرب للمجئ لاقتناص الفرصة، فتوالى التدفق، خاصة وأن المغاربةاليهود كانوا بارعين في التجارة وراكموا ثروات بفضل التنقل في نهر الأمازون بين البيرو والبرازيل لبيع "الكاواتشو"، لدرجة أنه في مصب الأمازون، جنوب شرق واد Mutuaca، توجد مدينة سميت "مازاغان الجديد"Nova Mazagao. ( أي الصويرة الجديدة).

 

وبحلول عام 1910، تاريخ بداية تراجع عائدات تجارة "الكاوتشو"، اضطر المغاربة اليهود إلى التنقل من مدينة Manaus، صوب مدن أخرى خاصة نحو: Belem و Sao Paulo و Rio de janiro. 
ورغم هذا النزوح المكثف مازالت مدينة Manaus تحتضن 2000 برازيلي يهودي من أصل مغربي.

 

وحسب الإحصائيات، يقدر عدد أفراد الطائفة اليهودية بالبرازيل ب 130 ألف شخص ( أي 0،06% من مجموع سكان البلاد)، نصفهم تقريبا من أصل مغربي، والباقي ذوو أصل من أوربا الشرقية أو دول البلطيق أو من اليونان وتركيا.

 

المغاربة اليهود تأقلموا بسرعة مع المجتمع المحلي واندمجوا فيه بسلاسة، لدرجة أن منهم  من بنى امبراطوريات مالية واقتصادية، ومنهم من تقلد مناصب سامية بالبرازيل، نذكر من ضمنهم الجنيرال Ramiro bentés الذي كان يعشق مدينة بن احمد المغربية الحاضنة لأسلافه وسبق له أن زارها رفقة ابنته Ana، وكذا Ruben medina برلماني يهودي من أصل مغربي، الذي ظل يعاد انتخابه بالكونغريس البرازيلي طوال 6 ولايات انتدابية متتالية. ثم هناك الشخصية الأبرز بالبرازيل، ألا وهو" دافي ألكولومبري" Davi Alcolumbre، رئيس مجلس الشيوخ، وهو يهود برازيلي، لايتردد في كل لحظة وحين من أن يشهر اعتزازه بجذوره المغربية.

 

وعرفانا بدور المغاربة اليهود الذي استوطنوا الأمازون، ظل المصور البرازيلي Paulo Sicso وفيا لطقس سنوي يتقيد به، ألا وهو الذهاب إلى مقبرة مدينة Parintins(مدينة بولاية الأمازون تصم 103.000 نسمة) للترحم على 66 مغربيا يهوديا مدفونين فيها، ضمنهم جد جده المنحدر من مدينة طنجة.