فاطنة أفيد، نائبة المنسق الوطني للشبكة النقابية للهجرة بالمغرب، وخبيرة في قضايا الهجرة
تسلط فاطنة أفيد، نائبة المنسق الوطني للشبكة النقابية للهجرة بالمغرب، وخبيرة في قضايا الهجرة، الضوء على الأبعاد الخفية والعلنية لخطاب الكراهية، ودور الوسائط الرقمية في تضخيمه، ومخاطر تحويل الهجرة إلى أداة في الصراعات الإقليمية.
وتتوقف فاطنة أفيد، عند خلفيات تصاعد بعض الخطابات المعادية للمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء بالمغرب، ودور منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم الحوادث المعزولة، وتحويل الهجرة إلى أداة في الصراعات الإقليمية والحروب الرقمية.
إلى أي حد يمكن اعتبار تصاعد بعض الخطابات المعادية للمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء بالمغرب جزءًا من حملة ممنهجة، تقودها أيادٍ خفية، تروم ضرب علاقة المغرب بعمقه الإفريقي، وليس مجرد تفاعلات اجتماعية أو رياضية عابرة؟
لا يمكن اختزال تصاعد بعض الخطابات المعادية للمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء بالمغرب في سبب واحد، ولا قراءته بشكل تبسيطي. فمن جهة أولى، من الواضح أن جزءًا من هذه الخطابات يرتبط بتفاعلات اجتماعية واقتصادية ورياضية ظرفية، تتغذى على الهشاشة الاجتماعية، والبطالة، وسوء تدبير التنوع داخل بعض الفضاءات الحضرية، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الحوادث المعزولة وتحويلها إلى أحكام جماعية.
غير أن هذا المعطى لا ينفي، من جهة ثانية، احتمال وجود محاولات توظيف ممنهجة لهذه الخطابات في سياق إقليمي وسياسي أوسع. فالمغرب، باختياره الاستراتيجي تعزيز علاقاته مع عمقه الإفريقي، واعتماده سياسة هجرة إنسانية وإدماجية، أصبح فاعلًا محوريًا في القارة، وهو ما لا يروق لبعض الأطراف التي ترى في هذا التموقع تهديدًا لمصالحها.
في هذا الإطار، يمكن رصد حملات رقمية منظمة تعتمد خطاب الكراهية والتضليل، وتسعى إلى تشويه صورة المغرب كبلد للتعايش، وضرب الثقة بينه وبين الشعوب الإفريقية، دون الجزم دائمًا بهوية الجهات المحرّكة لها. وبصفتي مناضلة نقابية ومدافعة عن حقوق الطبقة العاملة عمومًا، وحقوق المهاجرين على وجه الخصوص، أؤكد أن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالإنكار ولا بالتحريض المضاد، بل بتعزيز الوعي، وتفعيل القانون ضد خطاب الكراهية، وتقوية سياسات الإدماج، حمايةً لوحدة المجتمع ولمكانة المغرب الإفريقية القائمة على التضامن والاحترام المتبادل.
ما الدور الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم بعض الحوادث المعزولة وتحويلها إلى سردية عن “عداء ممنهج” تجاه المهاجرين؟ وما حدود المسؤولية بين التفاعل العفوي والتوجيه الرقمي المقصود؟
لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تضخيم بعض الحوادث المعزولة المتعلقة بالمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء، وتحويلها من وقائع محدودة في الزمان والمكان إلى سردية عامة توحي بوجود “عداء ممنهج” داخل المجتمع المغربي. فطبيعة هذه المنصات، القائمة على السرعة والانتشار الواسع، وخوارزميات تفضّل المحتوى المثير للانفعال، تجعل من السهل تداول مقاطع أو صور مبتورة عن سياقها، وتعميمها على فئة أو مجتمع بأكمله.
في كثير من الحالات، يبدأ الأمر بتفاعل عفوي لمواطنين متأثرين بحدث معين، رياضي أو أمني أو اجتماعي، لكن سرعان ما يتم التقاط هذا التفاعل وتوجيهه عبر حسابات وصفحات معروفة بخطابها التحريضي. هنا ننتقل من التعبير الفردي إلى صناعة رأي عام مبني على الخوف والكراهية، عبر إعادة النشر المكثف، واستخدام لغة التعميم، وربط الهجرة بالجريمة أو بـ “التهديد”.
حدود المسؤولية، إذن، تتوزع بين وعي الأفراد الذين ينخرطون دون تحقق في هذا التداول، وبين مسؤولية أكبر تقع على عاتق الجهات التي تدير حملات رقمية منظمة، بدوافع سياسية أو أيديولوجية، وتسعى عمدًا إلى تأجيج التوتر وضرب قيم التعايش. ومن موقعنا كمدافعين عن حقوق المهاجرين، نعتبر أن مواجهة هذا الوضع تستلزم تأطيرًا رقميًا، ومساءلة قانونية لخطاب الكراهية، وتعزيز إعلام مهني يوازن السرديات ويعيد الأمور إلى سياقها الحقيقي.
كيف تحوّلت قضية الهجرة إلى أداة في الصراعات الإقليمية؟ وإلى أي حد أسهمت التكنولوجيات الرقمية في صناعة ما يمكن تسميته بـ “الترندات السياسية” العابرة للحدود؟
تحوّلت قضية الهجرة، خلال السنوات الأخيرة، من مسألة إنسانية واجتماعية بالأساس إلى أداة تُستعمل في الصراعات الإقليمية وتصفية الحسابات السياسية بين الدول. فالهجرة اليوم تُوظَّف للضغط الدبلوماسي، وتشويه صورة الدول، وخلق توترات داخلية عبر تغذية مشاعر الخوف والرفض تجاه المهاجرين، خاصة في الدول التي تلعب أدوارًا إقليمية صاعدة مثل المغرب.
وقد أسهمت التكنولوجيات الرقمية الحديثة بشكل كبير في هذا التحول، عبر صناعة ما يمكن تسميته بـ “الترندات السياسية” العابرة للحدود. فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الحملات الدعائية محصورة في الإعلام التقليدي أو داخل حدود دولة واحدة، بل أصبحت قادرة على الانتشار السريع، وتوحيد الخطاب، وإعادة إنتاج السرديات نفسها في بلدان مختلفة وباللغات ذاتها. هكذا تتحول الهجرة إلى “قضية رأي عام” مصطنعة، تُدار أحيانًا من خارج السياق الوطني، وتُغذّى بخطاب الكراهية والمعلومات المضللة.
ومن منظور نقابي وحقوقي، تكمن خطورة هذا المسار في تحويل المهاجر إلى كبش فداء لصراعات لا علاقة له بها، ما يفرض تعزيز الوعي الرقمي، والتعاون الإقليمي، والدفاع الصارم عن حقوق الإنسان باعتبارها خطًا أحمر لا يجوز توظيفه في أي صراع.
ما خطورة توظيف الحسابات الوهمية، والفيديوهات المفبركة، واجتزاء الوقائع من سياقها في إعادة تشكيل الرأي العام وتأجيج التوترات الهوياتية؟
يشكّل توظيف الحسابات الوهمية، والفيديوهات المفبركة، واجتزاء الوقائع من سياقها خطرًا بالغًا على تشكيل الرأي العام، خصوصًا حين يتم نقل أحداث عابرة من المجال الرياضي أو الاجتماعي إلى المجال السياسي والثقافي. فالرياضة، بطبيعتها، فضاء للتنافس والانفعال المؤقت، لكن حين تُقتطع لحظة شغب أو استفزاز من سياقها الزمني والمكاني، وتُقدَّم على أنها سلوك “ثقافي” أو “هوياتي” لجماعة كاملة، نكون أمام عملية تلاعب واعية بالوعي الجماعي.
تلعب الحسابات الوهمية دورًا مركزيًا في هذا المسار، إذ تُستعمل لإعطاء الانطباع بوجود رأي عام واسع ومتجانس، بينما هو في الحقيقة رأي مُصنَّع. هذه الحسابات تُضخّم المحتوى التحريضي وتُعيد نشره بشكل منسّق، ما يخلق إحساسًا زائفًا بالإجماع ويدفع فئات واسعة إلى الاصطفاف بدافع الخوف أو الغضب. أما الفيديوهات المفبركة أو المبتورة من سياقها، فتكمن خطورتها في قوتها العاطفية، حيث تُغني عن التحليل العقلاني وتخاطب الانفعال المباشر.
إن نقل هذه المواد من المجال الرياضي إلى السياسي والثقافي يساهم في تأجيج التوترات الهوياتية، عبر ربط العنف أو السلوك الفردي بهوية إثنية أو وطنية أو مهاجرة. وبالنسبة لنا كمدافعين عن حقوق المهاجرين، فإن هذا التوظيف يُعد شكلًا من أشكال العنف الرمزي، لأنه يشرعن الإقصاء والكراهية، ويهدد أي إمكانية لبناء تضامن اجتماعي حقيقي.
القضية في جوهرها ليست صراعًا بين شعوب أو ثقافات، بل نتيجة هشاشة اجتماعية، وضعف سياسات الإدماج، وتوظيف رقمي وسياسي لتوترات قائمة. والرهان اليوم هو إعادة ملف الهجرة إلى إطاره الاجتماعي والحقوقي، بدل تركه رهينة للسرديات الشعبوية والاستقطاب الإعلامي.
فاطنة أفيد، نائبة المنسق الوطني للشبكة النقابية للهجرة بالمغرب، وخبيرة في قضايا الهجرة