محمد كمال مهدي، النقيب السابق لهيئة المحامين بتطوان وعضو مجلسها الحالي
في حوار مع النقيب محمد كمال مهدي -النقيب السابق لهيئة المحامين بتطوان وعضو مجلسها الحالي- يكشف تفاصيل الصراع حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة. منتقدا بقوة إحالة المشروع للحكومة دون توافق، ويحمّل وزير العدل وهبي مسؤولية الإخلال بالثقة والمساس بالاستقلالية والحصانة المهنية، مؤكدا أن "المحاماة ليست قطاعا تابعا للوزارة".
ويدعو النقيب كمال مهدي لمعركة نضالية شاملة دفاعا عن الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، ويثني على جبهة وطنية جديدة للدفاع عن المهنة.
كيف تلقيت مضامين مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة؟
منذ صدور الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة بعد حوار عميق قادته وزارة العدل على عهد الزميل والصديق مصطفى الرميد، وسؤال تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة مطروح إلى جانب أسئلة الإصلاح العام لمنظومة العدالة برمتها.
ومنذ ذلك التاريخ لم تعمد وزارة العدل، وقد تعاقب عليها ثلاثة وزراء، إلى إعداد مشروع قانون للمهنة بإهمال للمقاربة التشاركية، أو بإعمالها بشكل صوري. بل كان سلوك هذه الوزارة دائما ينزع إلى إشراك جمعية هيئات المحامين بالمغرب في الإعداد الفعلي التوافقي للقانون.
ومنذ ذلك التاريخ أعدت مسودات عديدة لم تر النور بسبب مصادفة انتهاء مدة ولاية هذا الوزير أو ذاك، ومازالت أحتفظ في مكتبي بمحاضر موقعة من طرف أعضاء لجنة موضوعاتية اشتغلت على هذا المشروع في هدوء وبعمق في مقر وزارة العدل لساعات ولم ألمس فيها سوى التقدير الكبير لمهنة المحاماة كجناح من جناحي العدالة إلى جانب القضاء المستقل طبعا، كما لم ألمس إطلاقا أية إرادة تروم إضعاف المهنة، أو تقليص مساحة استقلالها، أو التقليص من حصانة ممارسيها. بل كانت مجريات الحوار كلها، متجهة نحو تأهيل المهنة، وضمان آليات فعالة لتخليقها، وتوحيد التمثيلية بما يحفظ استقلالية الهيئات السبعة عشر وبما يقوي المحاماة ويكرس دورها الجوهري في العملية القضائية.
لكنني اليوم، وإلى جانب زملائي على امتداد هذا الوطن العزيز، فوجئنا منذ بداية ولاية الزميل وهبي على رأس وزارة العدل، بهجوم غير مبرر على مهنة المحاماة، عبر إلصاقه أبشع النعوت بممارسيها كما لو أنه ليس منهم. وأذكِّر في هذا الصدد بما وقع في زمن انتداب الرئيس السابق لجمعية هيئات المحامين بالمغرب من تسريع في وتيرة إعداد مشروع القانون، بطريقة غير شفافة، وإحالته على الأمانة العامة للحكومة بهدف الشروع في سلوك المسطرة التشريعية بشأنه، غير أن يقظة الجسم المهني، وتجديد هياكل جمعية هيئات المحامين بالمغرب بانتخاب رئيس ومكتب جديدين كان من شأنه أن يستنهض الهمم بخوض معركة نضالية كانت هي وحدها كفيلة بإرجاع الأمور إلى نصابها، وكانت كفيلة بالرجوع إلى طاولة الحوار وإعمال ما أقره دستور المملكة من مبدأ التشاركية في إعداد السياسات العمومية وفي صناعة القرار العمومي وصناعة التشريع على وجه الخصوص.
وفعلا عقدت عدة اجتماعات للجنة موضوعاتية مختلطة بين وزارة العدل على مستوى المدراء والنقباء وبحضور رئيس الجمعية ووزير العدل، وفق مقاربة تروم إعداد مشروع قانون يتضمن تنزيلا لتوصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة ذات الصلة لمهنة المحاماة، ويَسُنُّ قواعد قانونية جديدة تروم تأهيلها وتخليقها، على أن يتم ذلك على قاعدة التوافق، وإعداد مشروع يعرض على مجالس الهيئات لإقراره وبعده إحالته على المؤسسة التشريعية صاحبة الاختصاص الدستوري من أجل مناقشته والمصادقة عليه.
لكن الوزير صدمنا فعلا بإحالة المشروع على الأمانة العامة للحكومة قبل استمزاج رأي مجالس الهيئات بشأنه وهو ما شكل إخلالا بأحكام الثقة التي اتفق الجميع على استعادتها وتثبيتها بعد الأزمة التي نشبت بسبب المشروع المشؤوم السابق، وهذا ما يفسر أننا تلقينا هذا التصرف باستياء كبير، قيادة وقواعد
ألا تحتاج المهنة لقانون يراعي التطورات المالية والتحديات المستقبلية؟
طبعا المحاماة محتاجة إلى قانون يستحضر ما استجدَّ على مستوى البنية القضائية بعد استقلال السلطة القضائية في إطار مبدأ فصل السلطة كاختيار سياسي للنظام السياسي المغربي.
وباستحضار التطور الرقمي وباستحضار كذلك شروط الولوج في ضوء الإغراق الذي شهدته المهنة كآلية لتصريف أزمة التشغيل وطنيا، وما نتج عنه من إكراهات الاستقلال والتنظيم والتكوين وباستحضار أيضا لإكراهات الواقع فيما يتعلق بالمحامي وموكليه، وما ينتج عنه من سلوكات فردية تمس بأخلاقيات المحاماة وسمعتها وصورتها في المخيال الشعبي. لكن كل ذلك يجب استحضاره بخلفية تتطلع إلى تقوية المحاماة، وليس بخلفية التحكم فيها ومؤسساتها وتنظيمها الذاتي كما ليس بهدف المساس باستقلالها وبحصانة المنتسبين إليها.
ما هي أبرز التناقضات بين مسودة مشروع القانون الحالية ومخرجات جلسات الحوار مع وزارة العدل؟
من أبرز ما تم التراجع عنه مبدأ التوافق بشأنه مع وزارة العدل، أولا على مستوى المقاربة المعتمدة في الحوار، إذ اتفق الطرفان على عدم تسريب مخرجات الحوار إلى غاية التوافق على مسودة للمشروع تحال على مجالس الهيئات لإقرارها ومن تم سلوك مسطرة التشريع بشأنها، لكن السيد الوزير حاد عن هذه المقاربة وأحال مشروع القانون على الأمانة العامة للحكومة قبل تعميمه على مجالس الهيئات.
وكان هذا السلوك سيكون مقبولا على مضض لو أن المشروع الذي أحيل على الأمانة العامة هو نفسه المتوافق بشأنه، لكن المشروع الذي أحيل يختلف في بعض تفاصيله عما تم التوافق عليه، وقد يبدو للبعض أن التغييرات التي طالت المشروع المتوافق عليه طفيفة لكنها بالنسبة للمحاماة غير ذلك بإطلاق. إذ هي تغييرات نعتبرها جوهرية وذات أثر سلبي على مبادئ الحرية والاستقلال والحصانة التي تقوم عليها المحاماة في بلادنا وكونيا.
إذ من المعلوم أن المحاماة مهنة مستقلة وأن هيئات المحامين تتمتع بالاستقلال المالي والإداري وفي هذا السياق لا يمكن القبول بأن يُحدَّد واجب الانخراط والتقييد في لائحة التمرين بقرار من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل بمفردها.
وهنا وجب الإقرار بأن واجبات الانخراط والتقييد في لوائح التمرين تعرف تباينا على مستوى الهيئات كما تعرف بعض الغلو.
لكن هذا الأمر كان موضوع حوار سابق مع وزارة العدل وتم الاتفاق على توحيدها والخفض منها، بما يناسب الأوضاع المادية للوالجين الجدد من أبناء شعبنا وهو أمر مطلوب معالجته توافقيا، لكن أن تستأثر وزارة العدل بتحديد واجب الإنخراط، هو أمر غير مقبول يمس بمبدأ الاستقلال المالي لهيئات المحامين وهو مبدأ غير قابل للتنازل أو التدخل فيه من طرف وزارة العدل.
وقد يلجأ في هذا السياق وزير العدل إلى استعمال الشعبوية لاستجلاب عطف من يرغب في ولوج المهنة من طلبة وقضاة وموظفين، لكن ما لا يعلم به الجميع، هو أن هذه الواجبات التي يؤديها المنخرط الجديد في إحدى هيئات المحامين بالمغرب، ليست من قبيل الإثراء غير المشروع أو من قبيل التعجيز. وهنا وجب التمييز بين نوعين من الملتحقين الخاضعين لهذا الواجب، والمنقسمين إلى فئتين، فئة أولى وهي الأغلبية والمتمثلة في الطلبة الناجحين في امتحان الأهلية لولوج مهنة المحاماة، وهؤلاء وجب علينا كمؤسسات مهنية وفي ظل الأوضاع الاجتماعية القاهرة التي تعيشها أغلب أسرهم، أن نستحضر أوضاعهم وأن نتفق على واجب انخراط يراعي أوضاعهم تلك، والفئة الثانية متمثلة بالسادة القضاة الذين أحيلوا على التقاعد والذين يحالون بعد أن وصلوا إلى درجات تخولهم الاستفادة من معاشات تصل في عمومها اليوم إلى 40.000 درهم فما فوق. وكذا الأساتذة الجامعيين والموظفين عموما.
وهذه الفئة لا يمكن تسويتها بالطلبة الشباب ممن يرغبون في ولوج المهنة ولا يملكون قدرة عليه عمومهم على أداء واجب انخراط مرتفع نسبيا.
أثارت رسالة النقيبين درميش والشهبي لنقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء جدلا واسعا بشأن عدم قانونية وأخلاقية التوقف الشامل الذي أقره مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، كيف ترى هذا الموقف؟
إن هيئة المحامين بالدار البيضاء، كانت تاريخيا العصب الأقوى لجسم المحاماة في المغرب، ولنا في تاريخها المهني المشرق أبلغ الدروس وأقوى المواقف المهنية. والسادة النقباء الذين تعاقبوا عليها كانوا دائما من الرواد الكبار للمحاماة، ولم يتوانوا يوما في الدفاع عن استقلالها وحرية ممارستها وحصانة ممارسيها، ومازالت هيئة المحامين بالدار البيضاء تشكل قاطرة النضال المهني اليوم وفي هذه المرحلة العصيبة بالذات التي تجتازها المحاماة في بلادنا وهي موحدة بنسبيها وشبابها برجالها ونسائها في هذه المعركة المصيرية لمهنتنا.
والرسالة التي وجهها النقيبين والزميلين إلى النقيب والصديق العزيز حسِّي، تندرج ضمن حرية التعبير والحق في ممارستها داخل المؤسسات المهنية، وأجزم بأنها صادرة عن حسن نية وغيرة مهنية، إذ تستند إلى واقع ماض للمحاماة في بلادنا كانت فيه فضيلة الحوار مع وزارة العدل على عهد وزراء عدل كبار تعاقبوا عليها وكان لأكثرهم فضل على المحاماة، ولم يك مطروحا في ذلك الماضي أبدا ضرورة اللجوء إلى التوقف عن تقديم خدمات الدفاع دفاعا عن استقلال وحرية وحصانة المحاماة، بل كانت هذه المبادئ محترمة من طرف مؤسسات الدولة جميعها في أحلك الأزمنة السياسية التي مرت بها بلادنا، لكن اليوم نعيش واقعا آخر يتسم بعدة متغيرات على مستوى العدالة في بلادنا بعد استقلال السلطة القضائية في دستور 2011 واستقلال النيابة العامة، وما استتبع ذلك من إصرار على إضعاف مهنة المحاماة وإفراغ رسالتها الإنسانية من محتواها، والسعي إلى اعتبارها مجرد ديكور يؤثث مشهد العدالة، وليست مهنة ضامنة للحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، وهو ما لا يمكن القبول به، مما فرض لجوء جمعية هيئات المحامين بالمغرب إلى اعتماد أشكال نضالية مختلفة دفاعا عن المهنة وجوهرها الإنساني ودورها الأساس في العملية القضائية خصوصا وفي بناء العدالة في بلادنا عموما، وربما هذا الواقع المستجد لم يتلمسه بعد السيدان النقيبان خطورته وآثاره على ممارستها من طرف الجيل الشبابي الذي يعد بالآلاف اليوم بما يفرض علينا كنقباء سابقين أن نلتف حول النقباء الممارسين وحول الأجهزة المهنية لنسلمهم مشعل محاماة قوية حرة مستقلة وحصينة. ونحافظ لهم على كامل الشروط القانونية والواقعية الصحية والسليمة لقيامهم بواجبهم المهني، على غرار ما كنا وما زلنا نقوم به كقيدومين.
ما هي تجليات المساس باستقلالية وحصانة المهنة وهل فعلا هو مساس أم تدخل لإصلاح بعض الممارسات غير القانونية لبعض النقباء والمجالس؟
ما يمكن ملاحظته عموما على المشروع، هو الخلفية الظاهرة لوزارة العدل الرامية إلى اعتبار المحاماة قطاعا تابعا لها، بدءا من الإعلان عن الامتحان أو المباراة للتمرين ووصولا إلى فرض تبليغها ببعض القرارات المتخذة من طرف أجهزتها المهنية وهي إرادة غير مسبوقة لدى هذه الوزارة في علاقتها بالمحاماة، فالمحاماة مهنة مستقلة وليست قطاعا إداريا تابعا للحكومة أو السلطة التنفيذية، ولن تكون كذلك أبدا.
وفي هذا السياق ورد في المشروع أن واجبات الإنخراط في الهيئات تحددها السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وهذا أمر مرفوض لمساسه بالاستقلال المالي لهذه الأخيرة، وكما أوضحت سابقا فإن الوضع القائم حاليا في علاقته بواجبات الإنخراط، يجب ضبطه على مستوى توحيد هذا الواجب من حيث مبلغه في كافة الهيئات، كما يجب التمييز فيه بين المنخرط الجديد القادم من الجامعة مباشرة بعد حصوله على شهادة الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة ممن يجب مراعاة ظروفهم وظروف أسرهم الاجتماعية في ظل الأوضاع الاقتصادية المأزومة عامة في بلادنا، وزادت أزمة على عهد هذه الحكومة الأوليغارشية، وبين المنخرط الجديد القادم من القضاء والإدارة بعد الإحالة على التقاعد، والذي عادة ما يتقاضى راتب التقاعد في الدرجة الممتازة أو الاستثنائية ويتوفر على وضع اجتماعي ومالي مريح، ومن تم لا بأس في التوافق مع وزارة العدل في مشروع القانون على أساس هذه المبادئ، وهذا التوافق يجب تجسيده في آخر المطاف بقرارات صادرة عن مجالس الهيئات تعدل وتحيِّن قراراتها السابقة المحددة لواجبات الانخراط، وليس بقرار إداري أو نص تنظيمي لوزير العدل، فهذا تدخل في الشأن المستقل المالي لهيئات المحامين وهو غير مقبول إطلاقا.
كما ورد في نفس المشروع أن المحامي المتمرن يقضي فترة سنتين من التمرين بعد تقييده في لائحة المحامين المتمرنين لدى إحدى هيئات المحامين، يجتاز بعدها امتحان نهاية التمرين، وإذا لم ينجح فيه يمكن تمديد فترة تمرينه لمدة سنة بقرار صادر عن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وهذا أمر غير مسبوق كذلك، إذ أن المحامي المتمرن لما يقيد في لائحة التمرين لا سلطة عليه في تدبير تمرينه من بدايته إلى نهايته إداريا وماليا، إلا لمجلس الهيئة التي ينتسب إليها، وقرار تمديد تمرينه اختصاص تاريخي حصري لذلكم المجلس، ولا شأن لوزارة العدل به وهو من الحقوق المكتسبة المجسدة لاستقلالية القرار المهني للأجهزة المهنية للمحاماة تمارسه تحت رقابة القضاء وحده، ولا تمارسه مطلقا عبر التبعية لوزارة العدل. ونفس الأمر ينسحب على تحديد كيفية قضاء فترة التمرين والتي ورد في نفس المشروع أنها تحدد بإقتراح وتنسيق مع وزارة العدل، وهو أمر يجافي أعراف وتقاليد مهنة المحاماة العريقة التي تجعل ندوة التمرين وافتتاحها الرسمي وطنيا ومحليا مؤسسة من ضمن مؤسسات المهنة ولا يمكن بأي حال من الأحوال التدخل فيها بالاقتراح ولا بالتحكم.
كما ورد في نفس المشروع تكليف للنقيب بإشعار وزير العدل والوكيل العام بأي تغيير يطرأ على الأوضاع الفردية للمحامين من حيث شكل ممارستهم للمهنة، وهذا أمر غير مسبوق كذلك إذ المستقر في الممارسة المهنية لمسؤولية النقيب أن يتخذ قراراته ويبلغها للوكيل العام وحده، دون وزارة العدل. وهذا الأخير خول له القانون المنظم لمهنة المحاماة حق الطعن في كل القرارات أمام غرفة المشورة التي تسلط رقابتها القضائية عليها، ولا شأن كما لا جدوى من تبليغ هذه القرارات للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، اللهم ما تعلق بما أثرناه أعلاه بمحاولة الوزارة مد يدها وبسطها على مهنة مستقلة وجعلها قطاعا تابعا لها عنوة وضد ما لهذه المهنة من حقوق مكتسبة مستندة في عمومها إلى قواعد وقيم كونية جسدتها اتفاقيات دولية تعتبر المملكة مصادقة عليها وجعلتها دستوريا أسمى على قوانينها الوطنية.
وعموما هناك الكثير من المقتضيات التي تعكس إرادة واضحة لوزارة العدل الهادفة إلى التدخل في شؤون المحاماة، وهي إرادة نرفضها، والمحاماة جزء من أسرة القضاء، أجهزتها تمارس مهامها تحت رقابة القضاء عبر تمكين النيابة العامة من حق الطعن ومعاينة بطلان قراراتها ولا مجال للسلطة التنفيذية للتدخل في ذلك.
هذا مع العلم أن المقتضيات الأخرى التي حملها المشروع وتروم في عمومها إلى تخليق الممارسة المهنية، وتخليصها من بعض الشوائب التي تخدش صورتها نتيجة ممارسات فردية، ولا سيما عبر ضبط العلاقة بين المحامي وموكله بالتنصيص على وجوب التكليف والإتفاق على الأتعاب وغيرها هي مقتضيات مطلوبة ومن شأنها رفع ثقل كبير عن الأجهزة المهنية في تدبيرها لمجموعة من المشاكل التي يحبل بها واقع المهنة بعد أن توسعت قاعدتها البشرية، وكانت محل توافق في مجملها إلا فيما نذر.
كيف يتم تقييم تدبير جمعية هيئات المحامين بالمغرب للتصعيد النضالي؟
جمعيتنا تصرفت منذ التصدي الأول للمشروع السابق واستئناف الحوار مع وزير العدل بعد استعادة هذا الأخير من الأمانة العامة للحكومة، تصرفت بحكمة وتروي وهدوء وتبصر مستحضرة مصلحة الوطن خلال مجريات هذا الحوار، وبإعمال قواعد حسن النية لإفتراضها أن وزارة العدل تستحضر نفس الأولوية ونفس المبادئ، وفي هذا السياق تحمل رئيس الجمعية والسادة النقباء عديد الانتقادات من أعضاء الجمعيات العامة لمختلف الهيئات بسبب منهجية الحوار والمقاربة التي اعتمدت فيه، وتحلوا بالصبر مما لم يكن معه للسيد وزير العدل الحق في إحراجهم مع قواعدهم المهنية بهذا الشكل، الذي وتر جسمنا المهني الذي عرف موجة غليان بعد اكتشاف إحالة مشروع قانون تنظيم المهنة على الأمانة العامة للحكومة قبل استنفاذ كل مستلزمات تلك المقاربة بختمها وذلك بعرض المشروع المتوافق عليه على مجالس الهيئات لأخذ العلم به وبعده الشروع في المسطرة التشريعية بشأنه.
وأمام هذا الإنزياح غير المبرر عن المقاربة التشاركية في نهايتها، لم يكن لمكتب جمعيتنا من خيار سوى استعادة النفس النضالي، دفاعا عن المحاماة وعن مبادئها الكونية الجوهرية.
والذي يجب التنويه به في ضوء البرنامج النضالي المعلن عنه من طرف جمعيتنا، هو أن هذه المعركة هي معركة تروم الدفاع عن الحق في الدفاع والحق في المحاكمة العادلة الثابتين للمواطنين المغاربة، بموجب أحكام دستور المملكة، والدفاع عن هذين الحقين لن يتأتى إلا بمحاماة حرة مستقلة حصينة، كفيلة بتحقيق التوازن المطلوب في بناء العدالة في بلادنا كما أنها معركة وجود لهذه المحاماة، فإما أن تكون كما يجب أن تكون عليه في أي دولة ديمقراطية للحق والقانون، وإما أن يستغنى عنها لصالح وزارة العدل تديرها كما تدبر الأوضاع الفردية لموظفيها. لهذا فهذا الخط التصعيدي مرشح ليأخذ أقصى مدى إن لم تتم العودة لفضيلة الحوار وطاولته وتفعيل المقاربة التشاركية وتجسيدها كمبدأ دستوري، وليس بإعمال على وجه صوري وشكلي.
تم الإعلان مؤخرا عن تأسيس جبهة وطنية للدفاع عن استقلال مهنية المحاماة، ما جدوى كيف ترى هذه الخطوة؟
هي مبادرة رائدة، وقد اتخذها أصحابها في الوقت المناسب، بعد أن استشعروا خطورة ما تحضره هذه الحكومة من وسائل للتعدي على حرية مهنة المحاماة واستقلالها، والتقليص غير المبرر وغير المفهوم لدورها في صيانة وتجسيد الحق في الدفاع والحق في المحاكمة العادلة للمواطنات والمواطنين المغاربة، ومحاولة إضعافها بالشكل الذي يجعلها طيعة وغير قادرة على تحقيق التوازن المطلوب في جسم العدالة عموما.
ولاشك في أنهم تلمسوا ذلك في العديد من التشريعات التي صدرت على عهد هذه الحكومة كقانون الإضراب وقانون المسطرة الجنائية، وهذا الأخير يعكس في مضامينه تكريسا لضعف المكانات القانونية للتجسيد الفعلي الحق في الدفاع سواء خلال البحث التمهيدي، وذلك بعدم إلزامية الاستعانة بالمحامي خلاله للمؤازرة، وتقديم المساعدة القانونية، وهو ما يجافي المعايير الأممية للمحاكمة العادلة، أو خلال المرحلة القضائية بعدم التنصيص على الجزاءات الواجب ترتيبها على الاختلالات الشكلية الملازمة لمحاضر البحث التمهيدي، وترك الباب مفتوحا على إعمال السلطة التقديرية للقضاة في هذا الشأن، وهو أمر لم يعد مقبولا بالنظر إلى ما استقر عليه العمل القضائي في تصديه للدفوع الشكلية من توجه مساير لجهة الاتهام عموما.
لهذا فإنني أتقاسم مع الزملاء والأخوة في الجمعيات المهنية والحقوقية استشعارهم لخطورة هذه الأوضاع في بلادنا، ووجوب التصدي لها بفعل حقوق جماعي، لا سيما وأن المحاماة شأن مجتمعي، والدفاع عن استقلالها وحريتها وحصانتها ليس مطلبا فئويا خاصا بالمحامين، إنما يجب أن يكون مطلبا لكل المواطنين المغاربة الراغبين في ممارسة حقوقهم والتقاضي بشأنها بمساعدة محام يجب أن تتوفر فيه وله كل مقومات الحرية والاستقلالية والحصانة حتى يستطيع تحقيق الحماية والتوازن المطلوبين في أية عملية قضائية.
ومن هذا المنطلق أشد على أيدي كافة المناضلات والمناضلين في الجمعيات المهنية والحقوقية والقطاعية للأحزاب، وأتطلع إلى أن تتوسع قاعدة هذه الجبهة في المستقبل وأن تتمأسس بشكل دائم.