فؤاد عمراوي: الربط بين الأحواض المائية هو مفتاح تدبير وفرة المياه وتفادي الفيضانات

فؤاد عمراوي: الربط بين الأحواض المائية هو مفتاح تدبير وفرة المياه وتفادي الفيضانات فؤاد عمراوي

أكد  فؤاد عمراوي، دكتور دولة في علوم المياه، وأستاذ التعليم العالي بكلية العلوم عين الشق بالدار البيضاء، أن السدود بالمغرب تضطلع بأدوار استراتيجية متعددة، تجعلها في صلب تدبير الموارد المائية ومواجهة الظواهر المناخية القصوى، سواء في فترات الجفاف أو خلال موجات التساقطات الغزيرة التي قد تتحول إلى فيضانات، كما حدث مؤخرًا بمدينة القصر الكبير.

وأوضح عمراوي، الخبير في الهيدرولوجيا أن السدود تقوم بأربعة أدوار رئيسية، أولها تخزين المياه، وهو الدور الذي يضمن تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، ويؤمن حاجيات القطاعين الفلاحي والصناعي، خاصة خلال الأشهر التي تعرف انحباسًا مطريًا متواصلًا. ويعد هذا التخزين عنصرًا حاسمًا لضمان الأمن المائي في بلد عرف، خلال السنوات الأخيرة، ضغطًا غير مسبوق على موارده المائية.

أما الدور الثاني، فيتجلى في الحماية من الفيضانات، حيث تساهم السدود في الحد من مخاطر السيول التي تهدد المناطق المنخفضة في حال غياب منشآت قادرة على ضبط الجريان المائي. وأبرز أن عددا من المدن والجماعات الترابية تكون أكثر عرضة للخطر عندما تتزامن التساقطات القوية مع ضعف التجهيزات أو غياب السدود الواقية.

وأشار العضو باللجنة المغربية للجمعية الدولية لعلماء المياه، إلى أن الدور الثالث للسدود يتمثل في إنتاج الطاقة الكهرومائية، وهي طاقة متجددة ونظيفة تندرج ضمن الرهانات الوطنية المرتبطة بالانتقال الطاقي وتقليص الاعتماد على المصادر الأحفورية.

أما الدور الرابع، فيهم تنظيم جريان المياه السطحية في الأودية، عبر التحكم في إطلاق كميات محددة من المياه بشكل تدريجي، بما يعرف بالصبيب البيئي، وهو صبيب ضروري للحفاظ على التوازن الإيكولوجي، والحد من اندفاع المياه بسرعة مدمرة، إضافة إلى المساهمة في تغذية الفرشات المائية الجوفية.

وفي ما يتعلق بالوضعية المائية الراهنة، أوضح عمراوي أن المغرب خرج لتوه من ست سنوات متتالية من الجفاف، تميزت بتراجع حاد في التساقطات المطرية السنوية بنسبة تراوحت ما بين 30 و40 في المائة، ما أدى إلى بلوغ مخزون السدود مستويات مقلقة، وأفرز صعوبات حقيقية في تزويد عدد من المدن بالماء الصالح للشرب.

غير أن الأسابيع الأخيرة، يضيف المتحدث، عرفت تساقطات مطرية استثنائية لم تشهدها المملكة منذ سنوات، وهو ما انعكس إيجابًا على حقينة السدود، خاصة في شمال البلاد، حيث بلغت نسبة الملء في عدد منها 100 في المائة. وفي هذا السياق، سجلت فيضانات بعدد من المناطق، من بينها مدينة القصر الكبير، القريبة من سد وادي المخازن، الذي تبلغ سعته نحو 700 مليون متر مكعب، وقد وصل بدوره إلى طاقته القصوى.

وأوضح محاورنا الحاصل على دكتور دولة في علوم المياه، أن امتلاء هذا السد فرض اللجوء إلى تفريغ منظم للمياه باتجاه الأودية، خصوصًا أن المنطقة ما زالت معنية باضطرابات جوية جديدة قد ترفع حجم الواردات المائية. كما أشار إلى أن سد وادي المخازن يساهم في تزويد سد خروفة بجهة طنجة بالمياه، وهو السد الذي يؤمن جزءًا من حاجيات مدينة طنجة من الماء الصالح للشرب، وقد بلغ بدوره مستوى الامتلاء الكامل.

وتطرق عمراوي كذلك إلى سد الوحدة، أكبر سد بالمغرب بسعة تصل إلى 3.7 مليارات متر مكعب، والذي بلغ حاليًا حوالي 86 في المائة من نسبة الملء، أي ما يعادل ثلاثة مليارات متر مكعب. وأبرز أن هذا السد يشكل ركيزة أساسية في منظومة نقل المياه بين الأحواض، حيث يؤمن تزويد الرباط والدار البيضاء وعدد من المدن الواقعة بينهما بالماء الصالح للشرب، عبر مشروع الربط المائي بين حوض سبو وحوض أبي رقراق.

وشدد الخبير المائي على أن المغرب انتقل اليوم من مرحلة تدبير الندرة والجفاف إلى مرحلة تدبير وفرة المياه ومخاطرها، وهو تحول يفرض إعادة التفكير في طرق الاستغلال والوقاية. ففي الوقت الذي كانت فيه تفريغات السدود مطلبًا خلال سنوات الجفاف، أصبحت اليوم تشكل خطرًا محتملا على المدن الواقعة بالمناطق المنخفضة، إذا لم تُواكب بإجراءات وقائية فعالة.

وفي هذا الإطار، دعا عمراوي إلى تعزيز الربط بين الأحواض والسدود، بما يسمح بتحويل المياه من السدود الممتلئة إلى تلك التي تعاني خصاصًا، بدل فقدانها في البحر. كما شدد على أهمية التخطيط الاستباقي لحماية المدن المهددة بالفيضانات، عبر إعداد خرائط دقيقة للمناطق القابلة للغمر، وتحسين جودة شبكات تصريف مياه الأمطار والمياه العادمة.

وأكد أن الفصل بين قنوات تصريف مياه الأمطار والمياه العادمة أصبح ضرورة ملحة، خاصة أن الأحياء القديمة ما تزال تعتمد أنظمة مختلطة، تضعف قدرة القنوات على الاستيعاب، وتزيد من حدة الفيضانات عند التساقطات القوية.

وختم الأستاذ فؤاد عمراوي،الخبير في الهيدرولوجيا تصريحه بالتأكيد على أن الفيضانات التي شهدتها بعض المدن، وعلى رأسها القصر الكبير، يجب أن تُستثمر كفرصة لإعادة تقييم البنيات التحتية المائية، والرفع من جاهزيتها، لأن الظواهر المناخية القصوى مرشحة للتكرار، ولا يمكن منعها بالكامل، لكن يمكن تقليص حدتها والحد من آثارها على الساكنة عبر التخطيط الجيد والاستثمار في الوقاية.