الشعلة....المجلس الإداري يثمن الدينامية التنظيمية والترافع حول قضايا الطفولة والشباب

الشعلة....المجلس الإداري يثمن الدينامية التنظيمية والترافع حول قضايا الطفولة والشباب صورة أرشيفية

 في التاسع والعشرين من يناير 2026 انعقدت الدورة الأولى للمجلس الإداري لجمعية الشعلة للتربية والثقافة في لحظة تنظيمية وسياسية بالغة الدلالة، لحظة لم تقرأ فقط باعتبارها استحقاقا قانونيا يندرج في الزمن المؤسساتي العادي، بقدر ما هي موعد للتفكير الجماعي في مسار موسم كامل حافل بالبدل و العطاء، واستحضار دقيق لسياقات سنة 2025، بما حملته من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية، وبما راكمته من أسئلة مقلقة حول موقع المجتمع المدني التربوي داخل منظومة السياسات العمومية، وهي سياقات طبعتها على المستوى السياسي دينامية إصلاحية متذبذبة، وتراجعات متعددة في السياسات الاجتماعية، مقابل تراجع ملموس في منسوب الشراكة العمومية مع الفاعل الجمعوي، وعلى المستوى الاجتماعي استمرار مظاهر الهشاشة وسط فئات واسعة من الطفولة والشباب، وتقلص فضاءات الإدماج والتأطير، فيما ظل الحقل الثقافي محاصرا بإكراهات التمويل وضعف الإعتراف بدوره التنموي، الأمر الذي جعل من انعقاد المجلس الإداري لجمعية الشعلة محطة ذات حمولة رمزية وتنظيمية خاصة، لأنها جاءت في سياق عام يتطلب وضوح الرؤية، وصلابة الاختيار، وتجديد أدوات الفعل التربوي والثقافي.

في كلمته خلال أشغال هذه الدورة، قدم الأستاذ سعيد العزوزي رئيس الجمعية قراءة سياسية وتربوية وثقافية عميقة لمجريات موسم 2025، مستحضرا البعد التاريخي والتنظيمي لانعقاد هذه الدورة في نهاية سنة الإحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس جمعية الشعلة، مؤكدا أن خمسين سنة من العمل التربوي والثقافي تجسيد لمسار متكامل من التراكم، والنضال الهادئ، وبناء الإنسان عبر الثقافة والتربية، والترافع حول قضايا الطفولة والشباب.

وشدد في كلمته على أن الجمعية، رغم تَعقُّد السياقات السياسية والاجتماعية، استطاعت أن تحافظ على بوصلتها القيمية، وأن تطور ديناميتها التنظيمية، وأن تتفاعل بمرونة ومسؤولية مع التحولات، دون التفريط في استقلاليتها أو في اختياراتها التربوية الكبرى.

واستعرض رئيس الجمعية أبرز محطات موسم 2025، وفي مقدمتها الدينامية التي رافقت الإحتفال بالذكرى الخمسين، باعتبارها محطة استحضار للذاكرة الجماعية للجمعية، وفرصة لفتح نقاش عمومي حول أدوار الفعل الجمعوي التربوي في مغرب اليوم، إلى جانب البرامج الثقافية الكبرى، وعلى رأسها رمضان الشعلة الثقافي، وبرامج التكوين، والمخيمات، واللقاءات الجهوية، و برنامج الإدارة الجمعوية.

وأكد في كلمته على أن هذه المحطات لم تكن أنشطة معزولة، بل حلقات ضمن رؤية استراتيجية شاملة، تستند إلى مؤشرات قياس دقيقة، وتبرز بوضوح نجاعة الأداء وفعالية التدبير، سواء من حيث الامتداد الوطني، أو من حيث جودة المضامين، أو من حيث أثرها التربوي والثقافي على الفئات المستهدفة.

وفي السياق ذاته، قدم الكاتب العام للجمعية الدكتور محمد أبو القاسم عرضا مفصلا حول التقرير الأدبي لموسم 2025، مبرزا أن الجمعية استطاعت، رغم الإكراهات الموضوعية المرتبطة بالسياق العام، تحقيق نسبة إنجاز فاقت 90 في المائة من الأهداف المسطرة في البرنامج التعاقدي، وهو ما يعكس قدرة تنظيمية عالية على التخطيط والتنزيل والتتبع والتقييم، وأكد على أن العمل الجمعوي، حين يبنى على رؤية واضحة وحكامة داخلية، قادر على تحقيق نتائج ملموسة حتى في ظل أوضاع غير مواتية، كما أبرز التقرير الأدبي التنوع الكبير في الأنشطة المنجزة، وتعدد مجالاتها بين التربوي والثقافي والفني والتكويني، واتساع قاعدة المستفيدين، مع تركيز خاص على الطفولة واليافعين والشباب، معتبراً أن قوة جمعية الشعلة تكمن في قدرتها على الجمع بين الامتداد الوطني والعمل المحلي القاعدي، بما يمنحها شرعية ميدانية، ويجعل من برامجها استجابة فعلية لحاجيات المجتمع.

وفي عرضه للتقرير المالي، قدم أمين مال الجمعية الأستاذ مصطفى لحويدك قراءة صريحة وشفافة للوضعية المالية، زاوجت بين عرض الأرقام، وكشفت عن حجم الإكراهات البنيوية التي تواجهها الجمعيات الوطنية الجادة في الولوج إلى الدعم والتمويل العمومي، في ظل تراجع الحكومة عن عدد من التزاماتها، وتعنت بعض القطاعات الوزارية والجماعات الترابية في دعم الجمعيات الوطنية الديمقراطية المستقلة، وهو ما يعكس أزمة أعمق في تصور الدولة لأدوار المجتمع المدني كشريك استراتيجي في التنمية، ورغم ذلك أبرز التقرير المالي قدرة الجمعية على الحفاظ على توازنها المالي، بفضل ترشيد النفقات، وحسن تدبير الموارد، وتنويع مصادر التمويل، والاعتماد على منسوب عال من التطوع والالتزام داخل هياكلها الوطنية والمحلية.

وبعد نقاش مسؤول ومستفيض، صادق المجلس الإداري بالإجماع على التقريرين الأدبي والمالي، في لحظة تنظيمية عكست الثقة الجماعية في مصداقية المعطيات المعروضة، وفي سلامة الاختيارات الاستراتيجية التي سارت عليها الجمعية خلال موسم 2025، قبل أن ينتقل النقاش إلى حصيلة مخيمات الموسم ذاته، حيث تم التأكيد على أن عدد المستفيدين فاق 2100 طفل وشاب، رغم الإكراهات المالية والتنظيمية، مع تثمين المجهود الكبير الذي بذلته القيادة الوطنية والفروع لإنجاح هذا الورش التربوي المركزي، واستحضار ما ميز المخيمات من تنوع في البرامج وجودة في الخدمات التربوية المقدمة للطفولة والشباب، باعتبار المخيمات فضاء لبناء القيم، وتعزيز روح المواطنة، وصقل الشخصية.

في سياق متصلرشهد المجلس الإداري عرضا مفصلا قدمه الأستاذ حسن صبوري حول مشاركة فروع الجمعية في البوابة الوطنية لمؤسسات الشباب، حيث تم استعراض معطيات دقيقة حول حجم الأنشطة المحلية، وانتشارها المجالي، وتنوعها الوظيفي، بما يعكس الحضور الفعلي لجمعية الشعلة داخل النسيج التربوي الوطني، وقدرتها على التفاعل الإيجابي مع الآليات الرقمية والمؤسساتية الجديدة حيث وصل عدد المستفيدين ما يفوق 20000 مستفيد.

واختتمت أشغال المجلس الإداري للشعلة بنقاش موسع حول واقع ورهانات الحركة الجمعوية التربوية في المغرب، في ظل سياسات عمومية تتسم بكثرة التراجعات، وغياب إرادة مؤسساتية واضحة في بناء شراكات حقيقية ومستدامة مع المجتمع المدني، حيث أكد المتدخلون أن المرحلة الراهنة تتطلب من الجمعيات الجادة الانتقال من منطق التكيف السلبي إلى منطق الترافع الواعي، وبناء القوة الاقتراحية، والدفاع عن استقلالية الفعل الجمعوي، وعن دوره الحيوي في التنشئة والتأطير وبناء الإنسان، ليخلص المجلس في مجمله إلى أن جمعية الشعلة، وهي تستحضر خمسين سنة من العطاء، تؤكد مرة أخرى وفاءها لمسارها التاريخي، وانفتاحها الواعي على المستقبل، وإيمانها الراسخ بأن التربية والثقافة تظلان المدخل الأساس لبناء مجتمع متوازن، عادل، ومتصالح مع ذاته.