نبيل عادل: حين خسرنا الكأس… وربحنا الدرس

نبيل عادل: حين خسرنا الكأس… وربحنا الدرس نبيل عادل

في كرة القدم، هناك لحظات لا تُقاس بالدقائق، بل بالانكسار النفسي. لحظات تعرف فيها — قبل صافرة النهاية — أن الحلم انتهى، حتى لو ظلّت النتيجة حسابياً ممكنة. تلك اللحظة جاءت عندما أضاع إبراهيم دياز ضربة الجزاء في آخر أنفاس اللقاء. لم تكن مجرد كرة ضاعت، كانت سكينا غرز في قلب   40مليون مغربي وإعلاناً غير رسمي بأن الفريق خرج نفسياً من المباراة. بقيت الأجساد في الملعب، لكن الروح غادرت. وبعض الجماهير — بحسن نية — ظلّت تنتظر “المعجزة”، وكأن كرة القدم فرع من فروع الخوارق.

قبلها، حدث المشهد العبثي الكامل: توقفت المباراة، وخرج اللاعبون السنغاليون من أرضية الميدان. نظرياً، كل ما كان يجب فعله هو… لا شيء. نعم، لا شيء على الإطلاق. الانتظار فقط. ترك الزمن والحكم والقانون يقومون بالباقي. نهاية المباراة بانسحاب الخصم، وتسليم الكأس، وانتهى الأمر. لكننا — بدافع النبل الزائد عن اللزوم — قررنا ألا نفسد “العرس الكروي”. فخسرنا العرس… والكأس.

أردنا أن نكون نبلاء مع جبناء. وفي كرة القدم، كما في السياسة، النبل في غير موضعه سذاجة مكلفة. وكأن المتنبي كتب البيت من أجل هذه اللقطة تحديداً:

               إذا قيل رفقاً قال للحِلْمُ موضع              وحِلمُ الفتى في غير موضعه جهل

 

لم يُهزمنا اللعب… هزمنا الضغط

جاءت الجزاءات من طرف الكان كالماء البارد في عاصفة ثلجية عاتية. فجأة، هدأ الضجيج الذي أعقب المباراة، وانخفض منسوب الغضب، وتبخر كثير من “الخبراء الفوريين” الذين ظهروا بين شوطين واختفوا بين بيانين. انقشع غليان ما بعد اللقاء، وبدأت الصورة تتجرد من الانفعال لتلبس ثوب الوقائع: لا المؤامرة الكونية ثبتت، ولا الروايات المتداولة صمدت، ولا حملات التخوين حافظت على زخمها. بقي فقط سؤال بسيط ومزعج: ماذا حدث فعلاً داخل الملعب… وماذا خسرنا خارجه؟ في لحظات ما بعد العاصفة، حين يعود المنطق متأخراً كعادته، تصبح القراءة الهادئة أصعب — لكنها أيضاً أكثر فائدة من ألف صرخة حماس.

ما يجب أن يُقال بوضوح: الخصم لم يربح كروياً فقط — بل ربح نفسياً. الضغط الذي مورس قبل وأثناء المباراة لم يكن عادياً. كان ضغطاً مركباً، ذكياً، وموجهاً. مدرب الخصم ومن يقف وراءه (الاتحاد السينيغالي وزراة الخارجية) لعبوا مباراة موازية خارج الخطوط: شحن، تشكيك، توتر، رسائل مبطنة، إشارات متضاربة وتصعيد محسوب.

في المقابل، دخل لاعبونا المباراة وهم يلعبون نصفها داخل رؤوسهم. وعندما تلعب بعقل متوتر، تصبح قدماك أثقل، وقرارك أبطأ، وتركيزك أقل. كرة القدم الحديثة لا تُحسم بالخطط فقط، بل بإدارة الأعصاب.

 

متهم بالكولسة… وهو ضحية للتحكيم

المفارقة الساخرة أن المغرب تعرض لحملة إعلامية شرسة تتهمه بالكولسة والتأثير، بينما الأرقام الرسمية نفسها تضعه ضمن أكثر المتضررين تحكيمياً. خسرنا نهايتين في عقر دارنا. لكن في زمن الضجيج، لا أحد ينتظر الأرقام. الاتهام يركض، والتصحيح يمشي بعكاز.

تحولت الجامعة إلى طرف في قفص الاتهام بدل أن تكون جهة منظمة لأنجح لبطولة في تاريخ التظاهرة. وبدل أن تُكافأ على التنظيم، وُضعت في موقف دفاعي دائم. كانت تشرح، وتبرر، وترد، بينما الآخرون يهاجمون ويؤطرون الرواية كما يشاؤون في غياب إعلام قوي يرد الصاع الصاعين ويقول للعالم أجمع: "اللي لقا احسن من الشهد يلعقوا" ومخففا الضغط على الجامعة والجهاز التقني. وهنا استحضر واقعة تسريب صور لاعبين مصريين وهم يستحمون في براميل (نعم في براميل) عندما نظمت الكاميرون المسابقة، فلم يحاول الكاميرونيون الاعتذار، بل خرجوا ليقولوا بملئ فيهم "من لايعجبه تنظمينا، فما عليه إلا الانسحاب"، فبلع معظهم لسانه.

و صدق الشاعر:

          تعدو الكلاب على من لا أسود له               وتتقي صولة المستأسد الضاري

لم نجد اسوداً إعلامية تدافع عنا فاستأسدت علينا كلاب الآخرين. وكلما بالغنا في التبرير، زادوا في الضغط، حتى أفقدونا التوازن.

 

بطولة ناجحة… وعقوبات لمكافأة هذا النجاح

بشهادة كثير من المتابعين، كان التنظيم على مستوى عالٍ: بنية تحتية، لوجستيك، أمن، جماهير، صورة بصرية — كل شيء اشتغل بكفاءة. نظمنا كأسا عالمية في أرض أفريقية. لكن النجاح التنظيمي لم يشفع سياسياً ورياضياً. كأن الرسالة كانت: شكراً على المجهود… والآن تفضلوا بالعقوبات.

خسرنا في النتيجة، نعم. لكن بعد أن تعرضنا لضغط نفسي وإعلامي ممنهج جعلنا نلعب البطولة ونحن في وضع دفاعي دائم. ومن يلعب مدافعاً خارج الملعب، نادراً ما يهاجم جيداً داخله.

 

الذراع الإعلامي… نقطة ضعف قاتلة

هذه البطولة كشفت عيباً بنيوياً خطيراً: ضعف أذرعنا الإعلامية. في عالم الرياضة كما في السياسة، الإعلام ليس ديكوراً — بل جزء من المنظومة التنافسية. هو سلاح من افتك أسلحة القوة الناعمة. يصنع السردية، يحدد من هو الضحية ومن هو المتهم، من هو البطل ومن هو “المشبوه”.

يا للأسف، تركنا المعركة الإعلامية لوسائط التواصل الاجتماعي. اجتهد المؤثرون بما استطاعوا، وبإمكانياتهم المحدودة، مشكورين. لكن المعارك الكبرى لا تُخاض بهواتف فقط. تحتاج مؤسسات، منصات، رسائل منسقة، وخطاباً استباقياً لا ردّ فعل متأخر.

 

منطق الجمهور… ومنطق الدولة

الجمهور له منطق بسيط ومشروع: نريد الكأس. لا يهم كيف، لا يهم السياق، لا تهم الحسابات الجانبية. الكأس أو لا شيء. وهذا مفهوم عاطفياً، خاصة وأننا كنا الأفضل.

لكن منطق الدولة مختلف. الرهان لم يكن فقط رياضياً، بل تنظيمياً واستراتيجياً. الرسالة التي وصلت للعالم كانت واضحة: المغرب قادر على تنظيم كبرى التظاهرات بكفاءة عالية. لمن كان يشك في الجاهزية لاحتضان مواعيد عالمية أكبر، جاء الجواب عملياً، لا خطابياً.

قبل أربع سنوات من الموعد الكروي العالمي الكبير 2030، قُدّم عرض حي للقدرة التنظيمية: نقل، ملاعب، أمن، تدبير جماهير، صورة دولية. السؤال الآن لم يعد: هل المغرب جاهز؟ بل: هل الآخرون جاهزون بنفس المستوى؟

 

الخسارة الرياضية… والربح الاقتصادي

رياضياً، نعم، كنا نمني النفس بالكأس. ولا معنى لتجميل هذه النقطة. الهدف كان اللقب. لكن اقتصادياً وسياحياً، ما تحقق ليس صغيراً: صورة دولية قوية، تدفق زوار، ترويج سياحي مجاني بمئات ملايين الدولارات من حيث القيمة الإعلانية، وتثبيت اسم المغرب ضمن خريطة الوجهات السياحية الكبرى.

بعد جهد التشييد، آن أوان جني الثمار. المنشآت بُنيت، التجربة التنظيمية تراكمت، الشبكات اشتغلت. الاستفادة الاقتصادية طويلة المدى قد تكون — ببرودة الحساب — أهم من كأس تُرفع ثم تُنسى.

 

الخلاصة: خسرنا مباراة… وكشفنا المرآة

خسرنا الكأس في لحظة نفسية قبل أن نخسرها في النتيجة. وكشفت البطولة نقاط ضعف لا علاقة لها بالقدم والكرة: إدارة الضغط، الحرب الإعلامية، والسردية المصاحبة للحدث الرياضي.

في ضوء ما جرى، ربما آن الأوان أيضاً لمراجعة سلوكٍ متكرر في تدبير علاقاتنا الرياضية والإقليمية: منطق النُّبل الزائد باسم الأخوّة. المغرب يقدّم خدمات تنظيمية ولوجستية وأمنية على أعلى مستوى، يفتح الملاعب، ويؤمّن التظاهرات، ويلمع صورة القارة، ثم يتصرّف وكأن كل ذلك “واجب مجاني” لا يترتب عنه مقابل معنوي أو مؤسساتي. في عالم الاحتراف، لا تُدار العلاقات الكبرى بحسن النوايا فقط، بل بوضوح المصالح وتوازن الالتزامات. ليس المطلوب التخلي عن روح الأخوّة، بل إخراجها من الهواية إلى الاحتراف: من منطق المجاملة الدائمة إلى منطق كشف الحساب. من قدّم خدمة نوعية يجب أن يملك الجرأة لطلب الاعتراف بها، ومن تحمّل الكلفة يحق له أن يضع الفاتورة على الطاولة — بهدوء، بأدب، لكن بوضوح لا يقبل التأويل.

إن كنا نبحث عن عزاء: الكأس تضيع، لكن الدروس إذا فُهمت لا تضيع.

وإن كنا نبحث عن حقيقة مُرّة: في الرياضة الحديثة، من لا يملك إعلاماً قوياً… يلعب دائماً خارج أرضه، حتى وهو في ملعبه. دل

في كرة القدم، كما في التاريخ، لا تُقاس الهزائم بلحظتها، بل بمآلاتها. منتخبات كبرى سقطت في النهائيات على أرضها أو أمام جماهيرها ثم عادت أقوى. البرازيل خسرت نهائي كأس العالم 1950 على أرضها في الصدمة الشهيرة، وقيل يومها إن الجرح لن يندمل، ثم عادت بعد سنوات قليلة لتفتح حقبة تتويجات عالمية صنعت أسطورتها. وألمانيا نظمت كأس العالم 2006 دون أن تظفر باللقب، لكنها تعاملت مع التجربة كمختبر إصلاح شامل، لتعود بطلة للعالم في 2014. الدرس ثابت: التنظيم الجيد + المراجعة الصارمة + الصبر المؤسسي = تتويج لاحق. الهزيمة الكبيرة ليست نهاية المسار، بل أحياناً هي التقرير التشخيصي الذي يسبق مرحلة العلاج.

والأهم أن هذا المنطق ليس نظرياً ولا بعيداً عنا. التجربة المغربية في فئة الشباب قدّمت النموذج نفسه: جيل يخسر نهائياً قارياً، يتعرض لخيبة مبكرة، ثم لا ينكسر، بل يشتغل ويصحح ويتقدم، قبل أن يحوّل الخيبة إلى إنجاز عالمي في الموعد التالي. هكذا تُبنى الأجيال الكروية الحقيقية: ليست تلك التي لا تسقط، بل تلك التي تعرف كيف تقوم بسرعة، وبطريقة أفضل. الكؤوس تُرفع في ليلة، لكن المدارس الفائزة تُبنى عبر خيبات مُستثمرة جيداً — وهذه، في النهاية، بطولة من نوع أبقى.

لكن يبدو أن قدر المغرب أن يسطع نجمه أكثر في التظاهرات الكروية الدولية الكبرى، حيث يُصنع النصر داخل رقعة الملعب لا في الكواليس، وحيث تحسم الأقدام والعقول النتيجة، لا الضغوط والهمجية. هناك، حين تتساوى المسافات وتخفت الضوضاء الجانبية، يظهر الفارق الحقيقي: أداء يُقاس بما يُنجز، لا بما يُروَّج؛ وبنتيجة تُكتب على رقعة الملعب، لا في البيانات. وربما في هذا بعض الظلم… لكنه أيضاً وسام شرف.

نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية، عضو المجلس الوطني للحركة الشعبية