الدكتور أنور الشرقاوي والأستاذ عبد الله المغراوي
الدكتور أنور الشرقاوي بمساهمة الأستاذ عبد الله المغراوي رئيس الجمعية المغربية لأمراض الروماتيزم
لطالما ارتبطت أمراض الروماتيزم في الوعي الجماعي بالألم المزمن، وبالمفاصل المتآكلة، وبالأيادي المشوهة، وبالأطراف الاصطناعية التي تُزرع متأخرة، حين يكون الضرر قد استقرّ وأصبح غير قابل للتراجع.
كان يُنظر إليها طويلاً كطبّ “ما بعد الكارثة”، يُستدعى عندما يصبح العلاج مجرّد محاولة لترميم ما تهدّم.
لكن الروماتولوجيا الحديثة تعيش اليوم منعطفاً حاسماً.
إنها تقف أمام خيار استراتيجي واضح: إمّا الاستمرار في إصلاح الأضرار، أو التحوّل إلى طبّ ذكي لحماية المفاصل، يحافظ على الحركة قبل أن يفرض العجز نفسه.
تخصص في قلب الحركة الإنسانية
تحديات الروماتولوجيا اليوم جسيمة. فالأمراض الروماتيزمية الالتهابية والتنكسية والاستقلابية تمسّ جميع الفئات العمرية، من الشاب المصاب بالتهاب المفاصل الروماتويدي، إلى المسنّ الذي تقيده هشاشة المفاصل والفصال العظمي.
ويزيد من تعقيد المشهد شيخوخة السكان، ونمط الحياة الخامل، والسمنة، وضغوط العمل والرياضة غير المؤطرة طبياً.
النتيجة واضحة: آلام المفاصل أصبحت من الأسباب الأولى لطلب الاستشارة الطبية، مع تأثير مباشر على جودة الحياة، والإنتاجية، والصحة النفسية.
ومع ذلك، ما زال المفصل يُعامل في كثير من الأحيان كقطعة ميكانيكية قابلة للاستبدال، في حين أنه عضو حيّ، هشّ، يتأثر بشدة بمحيطه الالتهابي والاستقلابي والعضلي.
السنوات الخمس القادمة: بين التقدم والتوترات
التحديات القادمة متعددة الأبعاد.
أولها تحدٍ وبائي، يتمثل في الارتفاع المتواصل للأمراض المفصلية المزمنة، وعلى رأسها الفصال العظمي، المرشح ليصبح أحد أهم أسباب الإعاقة عالمياً.
أما التحدي الثاني فهو التشخيص المبكر، إذ لا يزال عدد كبير من المرضى يصلون إلى طبيب الروماتيزم بعد سنوات من التجوال الطبي، حين تكون الأضرار قد ترسخت.
ويبرز التحدي الاقتصادي بقوة، فالعلاجات البيولوجية والابتكارات الدوائية غيّرت مآل العديد من الأمراض، لكنها تطرح إشكالية العدالة في الولوج إلى العلاج، خاصة في البلدان ذات الموارد المحدودة.
ويُضاف إلى ذلك تحدٍ تنظيمي ، إذ لم تُدمج الروماتولوجيا بعد بالشكل الكافي في الرعاية الصحية الأولية، رغم أن أولى إنذارات المرض تظهر غالباً لدى الطبيب العام.
ويبقى التحدي المجتمعي أساسياً: ترسيخ الوعي بأن ألم المفاصل ليس أمراً عادياً ولا قدراً محتوماً، وأن انتظار “زواله تلقائياً” يعني في الغالب السماح للمرض بأن ينخر المفاصل بصمت.
من طبّ العجز إلى طبّ الحركة
في "روماتولوجيا الغد" لم يعد مقبولاً أن تكتفي بعلاج التشوهات، أو النوبات الالتهابية الشديدة، أو الحالات الجراحية المتأخرة.
نحن، يقول البروفسور عبد الله المغراوي، علينا أن نعيد تموقع هذا التخصص كطبّ لحماية الرأسمال المفصلي.
وينطلق ذلك من تشخيص أبكر وأكثر دقة، يعتمد على الانتباه لإشارات الإنذار الأولى: تيبّس صباحي مطوّل، آلام ليلية، تورمات مفصلية خفيفة لكنها مستمرة.
وقد أتاحت وسائل التصوير الحديثة، خاصة الإيكوغرافيا والرنين المغناطيسي، كشف آفات تحت سريرية في مراحل مبكرة جداً، قبل أن تصبح التدميرات المفصلية مرئية وواضحة.
الوقاية قبل الترميم
حماية المفاصل تعني أيضاً التدخل في العوامل القابلة للتعديل.
فالروماتولوجيا الحديثة مطالَبة بالاستثمار الحقيقي في الوقاية: محاربة الخمول، تشجيع النشاط البدني المكيّف، معالجة زيادة الوزن، تصحيح الاضطرابات الوضعية، وتحسين ظروف ergonomie العمل.
كما لم يعد مقبولاً منطق “الدواء وحده”. العلاج الدوائي ضروري، لكنه يجب أن يندرج ضمن مقاربة شمولية تضم العلاج الفيزيائي، والتثقيف العلاجي، وتعديل نمط العيش، وتحميل المريض مسؤولية واعية في حماية مفاصله.
فالمفصل الذي يُعالج جيداً لكن يُستعمل بشكل خاطئ، يظل مفصلاً مهدَّداً.
الرماتولوجيا : تخصص يتصالح مع الزمن
الثورة الحقيقية في الروماتولوجيا الحديثة ليست تقنية فقط، بل زمنية أيضاً. إنها ثورة التدخل المبكر، والدقيق، والمستدام.
ثورة إبطاء المسار الطبيعي للمرض قبل أن يكتب سيناريو الإعاقة.
المؤشرات البيولوجية، والتصوير عالي الدقة، والذكاء الاصطناعي، والطب الشخصي… الأدوات متوفرة.
لكن من دون ثقافة حقيقية للوقاية وتنسيق الرعاية، ستظل هذه الإنجازات محصورة في المراحل المتأخرة.
وفي النهاية، يبقى السؤال بسيطاً في صياغته، عميقاً في تبعاته:
هل نريد الاستمرار في علاج مفاصل مدمَّرة، أم نتعلم جماعياً كيف نحميها؟
جعل الروماتولوجيا طبّاً للحركة هو دفاع عن الاستقلالية، والكرامة، وحرية التنقل.
وفي عالم يشيخ بسرعة، قد يكون هذا أحد أكثر المعارك الطبية إلحاحاً في السنوات المقبلة.