أمينة ابن الشيخ أوكدورت: معركة الهوية قبل معركة الكرة

أمينة ابن الشيخ أوكدورت: معركة الهوية قبل معركة الكرة أمينة ابن الشيخ أوكدورت

بعد صدور أحكام الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم في حق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وما رافق مباراة المغرب والسنغال من أحداث وعقوبات، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل لعدد من المؤثرين المغاربة، عبّر بعضهم عن رفضه الصريح للانتماء الإفريقي، وصرّح بأنه “ليس إفريقيًا”.

 

وفي السياق نفسه، روت إحدى المغربيات تجربة لها بالولايات المتحدة، حيث التقت بمواطن إفريقي أسود، وحين سألها عن أصلها وأجابته بأنها مغربية، ردّ عليها بأنها عربية وليست إفريقية. هذا الجواب، على بساطته، يعكس تصورًا شائعًا لدى عدد من الأفارقة جنوب الصحراء، الذين يعتبرون شمال إفريقيا، ومنه المغرب، فضاءً عربيًا لا ينتمي إلى إفريقيا إلا من حيث الجغرافيا.

 

غير أن هذا التصور لم يتشكل صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات رسمية وخطاب إعلامي رسّخ، لعقود، صورة المغرب كبلد عربي قبل كل شيء. ففي كل مناسبة رياضية أو تظاهرة دولية، يتم تقديم المغاربة على أنهم “عرب”، واللاعب المغربي يُوصف بـ“اللاعب العربي”، والإنجاز يتحول إلى “إنجاز عربي”، والمغرب يُقدَّم باعتباره “مفخرة العرب” أو “أول العرب”، في تغييب شبه تام لانتمائه الإفريقي.

 

هذا الخطاب المتكرر لم يكتفِ بإبعاد المغرب عن عمقه الإفريقي في نظر الآخرين، بل ساهم أيضًا في تشويش وعي المغاربة أنفسهم بهويتهم الحقيقية، إلى درجة أن بعضهم صار ينكر إفريقيته، وكأنها عبء أو صفة طارئة، لا امتدادًا طبيعيًا للتاريخ والجغرافيا.

 

والحقيقة التي لم يعد ممكنًا التغاضي عنها اليوم، هي أن المغرب بلد إفريقي بجذوره، وأن عمقه الحضاري والثقافي والإنساني أمازيغي إفريقي. تؤكد ذلك الأبحاث الأركيولوجية، والدراسات التاريخية، وحتى الاكتشافات الجينية الحديثة، التي تُجمع على أن الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا، أبناء وبنات هذه الأرض الإفريقية منذ آلاف السنين.

 

ومن هنا، فإن محاولة التنصل من هذه الحقيقة، أو التشبّه بهويات أخرى على حساب الذات، لا تقود إلا إلى فقدان التوازن والوضوح، فنصبح كحال الغراب الذي حاول تقليد مشية الطاووس، فلا هو أتقن مشية الطاووس ولا حافظ على مشيته الأصلية. فالهوية لا تُبنى بالتقليد ولا بالإنكار، بل بالوعي بالذات والاعتزاز بالجذور.

 

لقد حان الوقت لإعادة طرح سؤال الهوية بجرأة وصدق، بعيدًا عن الإيديولوجيات القومية التي وُظفت سياسيًا في مرحلة تاريخية معينة، ولم تعد اليوم قادرة على تفسير واقعنا ولا تمثل تعددنا وعمقنا الحقيقي.

 

وحان الوقت أيضًا لأن نتصالح مع أصولنا الإفريقية، وأن نعتز بهويتنا المغربية الإفريقية، بهوية عمقها أمازيغي، وانتماؤها إفريقي، وانفتاحها إنساني. لا من باب القطيعة مع الآخرين، بل من باب الصدق مع الذات، والاعتراف بما نحن عليه فعلًا، لا بما قيل لنا إننا يجب أن نكونه.