أريري: الجسر الأسود لمدينة ساوباولو.. من ساحة المقصلة إلى ساحة الحرية

أريري: الجسر الأسود لمدينة ساوباولو.. من ساحة المقصلة إلى ساحة الحرية عبد الرحيم أريري فوق جسر أوساكا بمدينة ساوباولو

هاته القنطرة التي التقطت فيها الصورة، لها رمزية خاصة بالبرازيل، ليس لأنها جسر تتقاطع فيه بعض أشهر شوارع مدينة ساوباولو( Rua Galvão Bueno- Avenida Radial de Leste)، بل لأنها موقع مشحون بموروث تاريخي أسود ودموي، لازالت ندوبه لم تندمل بعد ببلاد السامبا.

 

هذا الجسر الذي يحمل حاليا اسم "جسر أوساكا" Viadito cidade de Osaka، كان يساق عبره العبيد المتمردون أو الهاربون إلى مكان قريب منه بوسط مدينة "ساوباولو"، كان يسمى "Largo de Forca"، (تعني بالعربية"ساحة المقصلة"). فتحت تربة هذا الجسر والشوارع المحاذية له، تم رمي ودفن آلاف الجماجم وجثث العبيد الذين تم إعدامهم من سنة 1754 إلى 1888، وهي السنة التي تم فيه إلغاء العبودية بالبرازيل. لكن دون إلغاء عقوبة الإعدام التي ظل العمل ساريا بها بالبرازيل إلى سنة 1988، حيث تم إقبار هاته العقوبة بالنسبة للجرائم المدنية، لكن مع الاحتفاظ بهذه العقوبة في الجرائم العسكرية.

 

الفظاعات المرتكبة في حق العبيد السود طوال 134 سنة، جعلت البرازيل تحمل لقب "حقل المشنقة" Le champ de Potence. وهو ما قاد البرازيليين إلى الترافع في أواخر القرن 19 ضد اسم هذه الساحة المجاورة للجسر لمحو العار من ساحة Largo de forca. فتم تعميدها باسم جديد، ألا وهو "ساحة الحرية". وهي الساحة التي أضحت اليوم أحد أهم المزارات السياحية بمدينة "ساوباولو"، بالنظر إلى أن إطلاق اسم "الحرية" على "ساحة المقصلة"، كان ذو دلالة قوية، ترتبط بكون موت العبيد إعداما، كان هو ثمن الحرية للخلاص من الرق والاستعباد البشع.

 

وغير بعيد عن الجسر، توجد كنيسة sainta-cruz وسط الحي الشرقي للمدينة، التي تشهد إلى اليوم، توافد البرازيليين عليها ليوقدوا الشموع وفاء لأرواح العبيد التي صعدت إلى السماء.

 

هذا الجسر له قيمة أخرى مضافة لدى البرازيليين عامة وساكنة "ساوباولو" خاصة، تتجلى في أنه بعد إلغاء العبودية في ماي 1888، عرفت القرى والضيعات الفلاحية بالبرازيل تفريغا هائلا بسبب هجرة العبيد " المحررين" نحو المدن بحثا عن آفاق أرحب، مما جعل البرازيل تواجه ندرة حادة في اليد العاملة، فتوجهت البرازيل نحو اليابان "لاستيراد" يد عاملة  فلاحية بخسة، بحكم أن اليابان كانت آنذاك تعاني من عزلة دولية، فضلا عن أنها كانت تختنق حينذاك بسبب النظام الفيودالي الذي أفقر اليابانيين بالقرى.

 

هذا المد الهجروي كان إيذانا بميلاد أكبر حي للجالية اليابانية في العالم، وهي الجالية التي بدأت تستقر بالأزقة المجاورة للجسر المذكور من قبيل زنقة " Galvao Bueno" وزنقة "Sâo Joaquim"، وساحة "Da liberdade"، لدرجة أن عدد البرازيليين من أصل ياباني يصل اليوم إلى 1،9 مليون فرد بساوباولو لوحدها( أي ما يمثل 16% من مجموع سكان المدينة)، أغلبهم يقطن بالحي الياباني بالعاصمة الاقتصادية للبرازيل.

 

وهذا ما سأعالج تفاصيله وجذوره وسياقه في ورقة لاحقة.