خليل البخاري: وقفة تاريخية.. النظام الدولي بين التفكك والتبلور من جديد

خليل البخاري: وقفة تاريخية.. النظام الدولي بين التفكك والتبلور من جديد خليل البخاري

من المعلوم ان النظام الدولي  الذي نشأبعد نهاية الحرب العالمية الثانية 1945والذي تميز ميلاد هيئة الأمم المتحدة وظهور الثنائية القطبية: الولايات المتحدة الأمريكية تزعمت الرأسمالية والاتحاد السوفياتي تزعم الاشتراكية ودخل المعسكران في حرب باردة.. هذا النظام حاليا بدا يتفكك، بحيث عجزت هيئة الأمم المتحدة عن حل عديد من المشاكل و الأزمات وتم تهميشها والحد من فاعليتها. ولم تعد قادرة على حل النزاعات. ويعتبر مجلس السلام الذي شكلة الرئيس الأمريكي ترامب مؤشرا واضحا على تفكك النظام الدولي.


ما هو مألوف  هو أن اي نظام دولي جديد كان يظهر ويتبلور بعد حرب عالمية، ويقوده المنتصرون في تلك الحرب. هكذا تم بعد الحرب العالمية الأولى والرئيس الأمريكي ولسون صاحب المبادئ الأربعة عشر، هو من صاغ عمليا مبادئ عصبة الأمم. إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تصبح عضوا في هذه المنظمة الدولية وآثرت الإنكفاء والابتعاد عن السياسة الدولية، وتركت الساحة لكل من فرنسا وبريطانيا تحديدا.


وفي الثلاثين يات من القرن العشرين ومع صعود النظام النازي المولي في ألمانيا، وصعود الفاشية في إيطاليا بزعامة موسوليني، وفشل عصبة الأمم في القيام بدورها، بدا النظام الدولي الذي انتجته الحرب العالمية الأولى يترنح. ومع نهاية ذلك العقد، كان الجميع يشعر ان هذا النظام قد وصل إلى نهايته، واصبحت الحرب العالمية الثانية مسألة وقت فقط بالتحديد منذ سنة 1938. وبالفعل اندلعت هذه الحرب في شتنبر 1939مباشرة بعد دخول القوات الألمانية أراضي بولونيا في 1 شتنبر 1939.


عمليا من انتصر في تلك الحرب هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي. أما بريطانيا فقد كانت منهكة ومثقلة بالديون،وإمبراطوريتها  بدأت بالتفكك. أما فرنسا فقد ألحقت نفسها بالمنتصرين في آخر لحظة، فقد كان معظمها تحت الاحتلال الألماني وما تبقى تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية لهتلر.


إنطلاقا من هذا الواقع نشأ النظام الدولي وتشكل هيئة الأمم المتحدة بميثاقها والقانون الدولي الداعم لها. ونشات مؤسساتها وبمحلي أمن يتحكم به المنتصرون عبر القيثو véto. ولكن سرعان ما دخل المنتصرون في صراع، وٱنقسم العالم إلى معسكرين، معسكر رأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، و معسكر إشتراكي تقوده الإتحاد السوفياتي. ودخل المعسكران في خرب باردة ونظام دولي ثنائي القطب. وبعد الحرب الباردة وما تضمنها من سباق التسلح أنهم الإتحاد السوفياتي وٱنهار، وٱنهار معه المعسكر الاشتراكي وحلف وارسو.


كل ذلك حدث في مطلع تسعينات القرن العشرين، واصبح العالم يقاد بنظام القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية مع الحفاظ على هيئة الأمم المتحدة وتركيبة مجلس الأمن بالخمسة الكبار. ودارت خلال ذلك نقاشات كثيرة لتغير تركيبة مجلس الأمن ومنح دول أخرى و تجمعات دولية حق القيثو. إلا أن ذلك لم يتم. وبقيت هيئة الأمم المتحدة كما تأسست سنة 1945، ربما رغبة في استقرار العلاقات الدولية.


والحظير بالذكر، إنه قد تزامن انهيار نظام القطبين مع ثورة الاتصالات والعولمة وظهور العولمة وبدأ الحديث عن ان العالم قد تحول إلى قرية صغيرة وكانت  الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر هذا التطور، وتسجل تفوقها الملحوظ في مجال تكنولوجيا المعلومات، وهي اليوم تتفوق في مجال الذكاء الاصطناعي. ولاتزال تتربع على قمة التفوق الاقتصادي.


وبعد ما وقع في فنزويلا مؤخرا، عاد الحديث بخصوص مبدأ مونرو، وهو مبدأ الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في الربع الأول من القرن 19م والذي يعتبر المنطقة التي تشمل القارتين الشمالية وأمريكا الجنوبية، هي منطقة نفوذ أمريكي حصرا.


ومما فاقم الوضع، هو مطالبة الرئيس الأمريكي ترامب بجزيرة جرينلاند التي تعود إلى مملكة الدانمارك وتتمتع بالحكم الذاتي، حجة ترامب هو أن الجزيرة مهمة للأمن القومي الأمريكي  وان السيطرة عليها تأتي بهدف منع تسلل كل من الصين وروسيا إليها.

 

وصفوة القول ومن خلال هذه الوقفة التاريخية المقتضبة، يمكن القول بأن النظام الدولي القديم لم يعد قادرا على تنظيم العلاقات بين الدول وخاصة الكبرى منها التي احتد التنافس بينها على الثروات والنفوذ. ويبقى السؤال الجوهري، هل هذا النظام الدولي الجديد والذي يتبلور تدريجيا، هل سيتم تغييره الوسائل السلمية و الدبلوماسية والحوار، أم اننا نتجه إلى حرب عالمية ثالثة؟ ذلك مالا تتمناه البشرية.

 

 


خليل البخاري/ استاذ مادة الاجتماعيات