منير لكماني: ضربني وبكى.. سبقني واشتكى أو مرارة اللقب

منير لكماني: ضربني وبكى.. سبقني واشتكى أو مرارة اللقب منير لكماني

في الرباط لم يكن الغضب المغربي بعد نهائي “المغرب 2025” غضب خسارة عادية، بل غضب إحساس بأن الكأس انتزعت ثم أضيفت إليها فاتورة أخرى باسم “الإنضباط”. 


لايجادل الشارع في مبدأ العقوبة؛ فمن يخرق النظام يستحق الجزاء. لكن السؤال الذي ظل يتردد: لماذا بدا أن الكاف أحكمت ملف الفوضى، وتركت ملف “النتيجة” معلقا؟ وكيف تتحول ليلة نهائي إلى محاكمة لسلوك جانبي، بينما أصل الجرح في نظر الجمهور هو الحكم على اللقب؟ في لحظة كهذه، ينهض المثل الشعبي من جديد: من سبق إلى الشكوى يربك الحقيقة، ومن أمسك بالميكروفون أولا يصنع روايته قبل أن تقرأ الأوراق.

 

قرارات معلقة

قرارات مجلس الإنضباط جاءت ثقيلة على الطرفين: إيقافات وغرامات على السنغال، وغرامات وإيقافات على المغرب بسبب إقتحام محيط "الفار"والليزر، وسلوك جامعي الكرات وغيرها. لكن “العبارة” التي فجرت النقاش كانت رفض إحتجاج المغرب المرتبط بتطبيق مواد بعينها من لوائح كأس إفريقيا للأمم. هنا شعر كثيرون أن الكاف دققت في المشهد حين تعلق الأمر بالسلوكيات، لكنها اختصرت المشهد حين تعلق الأمر بما يراه الجمهور سببا مباشرا لضياع اللقب. فالعقوبة، في نظرهم، لم تكن المشكلة وحدها؛ المشكلة أن القرار بدا كأنه يجيب عن سؤال آخر غير سؤال الكأس.

 

محضر اللحظة

جوهر الإعتراض الشعبي لا ينحصر في لقطة تحكيمية قابلة للتأويل، بل في واقعة تقول التقارير إنها حدثت أمام الجميع: إنسحاب لاعبي السنغال مؤقتا من أرض الملعب إحتجاجا، ما أدى إلى توقف طويل قبل العودة وإستكمال المباراة. هذه، في منطق القانون، ليست “إنطباعا”، بل حدثا يمكن توصيفه: هل هي مغادرة لأرض الملعب؟ هل هي رفض لمواصلة اللعب؟ هل حصلت بإذن الحكم أم دونه؟ لأن الفرق بين “إحتجاج” و”ترك” ليس في درجة الغضب، بل في كلمة واحدة داخل تقرير رسمي.

 

مفتاح القضية: 82

هنا يستند أنصار “الطعن الصحفي” إلى المادة 82 من لوائح كأس إفريقيا للأمم، وفيها عبارة إنجليزية صارمة المعنى: “refuses to play or leaves the ground… without the authorisation of the referee”. تبسيطها لا يحتاج تزيينا: إذا رفض فريق اللعب أو غادر أرض الملعب قبل نهاية المباراة دون إذن الحكم، يعد خاسرا ويقصى. إنها مادة تبنى على شرط واضح: “مغادرة دون إذن”. لذلك يتشبث بها الغاضبون لأن نصها لا يتحدث عن “تقدير” ولا عن “زاوية تصوير”، بل عن فعل محدد وأثر محدد.

 

84: لا مجال للتأويل

ثم تأتي المادة 84 لتربط المخالفة بنتيجة رياضية مباشرة لا بمجرد غرامة: من يخالف 82 و83 يهزم 3-0 ما لم تكن نتيجة الخصم لحظة التوقف أكبر، ويمكن إتخاذ تدابير إضافية. هذه المادة تجعل سؤال الكأس سؤالا قانونيا لا شعوريا: إن كانت الواقعة تستوفي شروط 82، فكيف تترك 84 خارج الحساب؟ ولماذا ينتهي الأمر إلى عقوبات إنضباطية دون أثر على النتيجة؟ هنا يتولد الإحساس بأن “القانون حاضر” حين يخص السلوك، و”غائب” حين يمس اللقب.

 

صوت مواز: 148

ولمن يفصل بين لوائح البطولة وقانون الإنضباط، يبرز نص آخر في قانون الكاف التأديبي، المادة 148 (Abandonment): “refuses to play… or to continue playing… will, in principle, forfeit the match”. المعنى المبسط: من يرفض اللعب أو مواصلة اللعب يخسر “مبدئيا” المباراة، إضافة إلى الغرامات. وهذا يؤكد أن “ترك اللعب” ليس سلوكا عابرا في نظر المنظومة، بل خطا أحمر يمس جوهر المنافسة. لذلك يزداد السؤال إلحاحا: إذا كانت الروح القانونية ترى الترك تهديدا للبطولة، فلماذا لم تقرأ الواقعة بهذا الميزان؟

 

تملك الكاف تملك درعا قانونيا معروفا: معظم أخطاء التحكيم تعد تقديرية ولا تقلب بها النتائج. غير أن من يطالبون بنقاش “الكأس” يصرون أن القضية ليست ركلة جزاء ولا لمسة يد، بل “واقعة ترك/مغادرة”. وهنا تبرز المادة 56 في القانون التأديبي التي تفتح الباب للطعن في “الوقائع” مع استثناء قوانين اللعبة كما طبقها الحكم. أي أن الطريق، في صياغته الأكثر قوة، ليس “الحكم ظالم”، بل: هل حدثت مغادرة؟ هل كانت دون إذن؟ ماذا قال تقرير الحكم؟ لأن الكلمة الأخيرة ليست للجمهور، بل للورق الرسمي.

 

الوثيقة المفقودة

لماذا بدا أن الكاف تحاكم الإنضباط وحده؟ لأن الإنضباط يثبت سريعا بالصور والتقارير: دخول محيط الـVAR، ليزر، فوضى تنظيمية. أما تفعيل 82 و84 فيتوقف على تفصيل قاتل: هل غادر الفريق “أرض الملعب” قانونيا أم لا؟ وهل وجد إذن من الحكم؟ وكيف وصفت الواقعة في التقرير؟ ومن دون نشر تعليل واضح أو إتاحة ما يكفي من التفاصيل، يظل الشك قائما: هل لم تتحقق الشروط؟ أم تحققت ولم تفعل؟ وفي الحالتين، الرأي العام لا يريد أرقام الغرامات، بل يريد “سببا” يفهمه.

 

حبر بلا حكم

إذا كان القانون موجودا ليحمي البطولة من “سلاح الإنسحاب” والضغط، فاختباره  الحقيقي يكون لحظة وقوع الواقعة، لا بعد إنطفاء الأضواء. لأن أخطر ما قد تتعلمه الفرق من نهائي كهذا هو أن الخروج المؤقت قد يمر بلا أثر رياضي واضح، بينما تثقل الغرامات كاهل الجميع. وعندها يعود المثل، لا كطرف بل كخلاصة: ضربني وبكى… سبقني واشتكى، ثم ظهرت الحقيقة المرة: القرارات تكاثرت، والتعليل ندر.