في هذه الحلقة من النقاش الهادئ والرصين، نفتح اليوم حوارًا جادًا ومسؤولًا مع حزب التقدم والاشتراكية، إسهامًا في النهوض بالنقاش العمومي السياسي والاجتماعي والثقافي، في ضوء التحولات العميقة التي يشهدها المغرب والعالم عمومًا. كما نسعى من خلال هذا الحوار إلى مدّ جسور التواصل والتعاون، وتشجيع التعاطي الإيجابي مع الفاعلين السياسيين، انطلاقًا من الغيرة الصادقة على الوطن، والوفاء لكل من ضحّى ولا يزال يضحّي من أجله.
إننا نراهن على نقاش يُؤسَّس على الاحترام المتبادل، بعيدًا عن لغة الحقد والدغينة والتخوين والكراهية، وهي لغة عانينا منها كثيرًا، كما عانى ولا يزال يعاني منها عدد كبير من المناضلات والمناضلين الصادقين مع أنفسهم، فمهما كانت نواقصنا أو إكراهاتتنا أو أعطابنا، فلا أحد له الحق في ممارسة ساديته على الناس..لا أحد متزوّج بأحد، ولا أحد يتصدّق على أحد؛ حتى الزواج الشرعي نفسه تحكمه قوانين وأعراف تنظّم الخلاف وتحفظ الاستمرار، باعتباره أحد أركان الحياة الإنسانية، بغضّ النظر عن اللون أو الدين أو الثقافة.
تعرّفت على حزب التقدم والاشتراكية خلال سنتي الجامعية الأولى، في الساحة الطلابية، سنة 1983، ولا أزال أحتفظ بذكريات جميلة عن مناضلاته ومناضليه، حين كنا ننعته بـ«الحزب الإصلاحي». فعلى قلّتهم، كانوا أكثر انضباطًا، يتحلّون بخصال حميدة، ومبادئ نبيلة، وأخلاق عالية. ورغم أنني كنت آنذاك في بداياتي وفي عنفوان الشباب، فقد كنت أكنّ لهم احترامًا خاصًا، وأقدّر نضجهم، ومستواهم التكويني العالي، خصوصًا في مجالي السياسة والاقتصاد.
مضت السنوات، وأنا أودّع ما مضى من تجربتي المتواضعة داخل الحركة. ومن وراء القضبان، نسجت علاقة إنسانية وسياسية راقية مع السيد نبيل بن عبد الله، الذي كان آنذاك زعيم شبيبة حزب التقدم والاشتراكية. تبادلنا بعض الرسائل، وفتح لي من خلال جريدة الحزب نافذة للنشر، حيث كنت أُسهم من حين لآخر بكتابات ومقالات مترجمة. هكذا بدأت معرفتي بنبيل بن عبد الله من خلف القضبان، وتعمّقت أكثر لاحقًا حين سافرنا جميعًا خارج أرض الوطن صحبة الراحل العربي المساري، وزير الاتصال السابق في حكومة عبد الرحمن اليوسفي؛ إذ كان السيد نبيل بن عبد الله مديرًا لجريدة البيان، وكان ذلك في الفترة التي كنتُ فيها مديرًا لجريدة الزيتونة الجهوية، قبل أن تتعزز هذه العلاقة أكثر بعد عودتي من منفاي الاختياري بفرنسا، من خلال دعمه لتجربة المنتدى الوطني للمدينة FNV.
نعم، حزب التقدم والاشتراكية، كما يعلم الجميع، يجرّ وراءه عقودًا من التاريخ، منذ أربعينيات القرن الماضي، ولا يزال حيًّا يرزق، رغم مروره بمحطات تاريخية طبيعية، شبيهة بتلك التي عرفتها أكبر وأقدم الأحزاب في العالم. ومن هذا التراث والتاريخ تحديدًا، ننتظر من الحزب اليوم أن يساهم معنا في هذا النقاش العمومي، إسهامَ إنارةٍ وتنوير، وتوعيةٍ وإشعاعٍ سياسي وحقوقي وثقافي، خاصة ونحن على أعتاب محطة تشريعية مقبلة.
وننتظر منه كذلك أن يتّسع صدره لتقبّل آراء ومساهمات مواطِنة، لا تشكّك في شرعيته، ولا تهاجم مواقفه، ولا تتدخل في تنظيماته الداخلية. فلديّ شخصيًا العديد من الصديقات والأصدقاء داخل الحزب، في مستويات عليا، وفي أجهزته الوطنية، وفي قواعده المناضلة، وكل ما أريده هو أن نُضفي على هذه العلاقات معنى ومغزى، في زمن التافهين، وزمن التفاهة، والدوس على الفاعلين الحقيقيين والحاضرين في ساحة النضال.
ومن هذا المنطلق، أتمنى صادقًا أن يبادر الحزب إلى تنظيم لقاءات وأبواب مفتوحة للجميع، لتلقّي الانتقادات الهادفة، والآراء الناضجة، والاقتراحات العملية، وللإنصات إلى نبض المواطنات والمواطنين، من أجل استرجاع هيبة العمل السياسي، ومقاومة التيئيس والتبخيس، والتحريض الممنهج على العزوف عن المشاركة.
نريد قوة حزبية ذات مصداقية، مؤهَّلة لخوض غمار الاستحقاقات الانتخابية المقبلة بنجاح، بما يعزّز الصرح الديمقراطي، ويفتح آفاق مغرب المستقبل أمام جيل جديد من المشاريع، والقوانين، والنخب النسائية والشبابية.
وانطلاقًا من تجاربنا النضالية المتواضعة، نعتبر أن الوقت قد حان لفتح نقاش وطني جاد حول قضية التفاوت الاجتماعي؛ تلك التيمة التي نناضل من أجلها منذ أزيد من عشر سنوات، داخل حركات وتجارب متعددة، باعتبارها السرطان الذي ينخر جسم الوطن، ويقسمه إلى مغرب الحاشية السفلى، ومغرب الحداثة والتقدم.
وانطلاقًا من هذه التجربة المتواضعة، ومن هذا الرصيد الإنساني والسياسي المشترك، أرى أن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من منطق المجاملة الرمزية إلى منطق الفعل العملي. وذلك عبر فتح قنوات مؤسساتية ودورية للحوار مع الفاعلين المدنيين والمثقفين والباحثين، وتنظيم منتديات جهوية مفتوحة للنقاش حول قضايا التفاوت الاجتماعي، والعدالة المجالية، والمدينة وحقوق ساكنيها. كما يظل من الضروري دعم المبادرات المستقلة الجادة، وتشجيع مساهمة الشباب والنساء في بلورة التصورات والبرامج، وإرساء آليات إنصات حقيقية لنبض المجتمع، بما يعيد الثقة في العمل السياسي ويمنحه بعده التشاركي والاقتراحي، بعيدًا عن منطق التوظيف الظرفي أو الاستقطاب الانتخابي الضيق.
يتبع
المصطفى المريزق /فاعل مدني، مؤسس الطريق الرابع