جمال المحافظ
إذا كانت تكنولوجيا الحديثة، قد ساهمت إيجابا في رفع احتكار الأخبار والمعلومات، وخلقت تواصلا وتفاعلا بين مختلف شرائح المجتمع، وجعلتهم أكثر قربا وتقاسما للأفكار والمعطيات، لكنها فتحت بالمقابل المجال لترويج محتويات التفاهة بسهولة ويسر، والحض على الكراهية والعنصرية والعنف والشعبوية، خاصة بوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبح لها "أبطال وقدوات" تتسابق في نشر الرداءة والجهل، واستعمال لغة منحطة في تسويق " روتينها اليومي" .
غير أنه بقدر ما يسجل اقبال واسع على التكنولوجيا من طرف المواطنات والمواطنين بقدر ما يلاحظ توجسا مبالغا فيه، خاصة عندما يدعى البعض بأن ترويج الإخبار "الزائفة" والمعلومات المضللة، سببه "حرية التعبير الزائدة عن اللزوم". وفي هذا الصدد يمكن توضيح ما تقع فيه وسائل الاعلام أحيانا من أخطاء حينما تقول ب" الأخبار الزائفة "، في الوقت الذي تعتبر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو)، أن هناك فقط الأخبار وهي تلك التي تتضمن معطيات ووقائع موثوقة، ودقيقة تتدفق للجمهور بانسيابية. وحرية عبر وسائل الاعلام. وعلى عكس ذلك هناك المعلومات" المضللة" التي تعرف انتشارا سريعا عبر الشبكة العنكبوتية، التي يكون لها تأثيرا كبيرا على الرأي العام.
إن التصدي للمحتويات الإعلامية التي لا تتقيد بالقواعد المهنية، ليس رهينا فقط بالمقاربة الأمنية على الرغم من أهميتها أو بتشديد القوانين وحملات الوعظ والإرشاد المناسباتية والموسمية، بل يتطلب الأمر مقاربات متعددة الأبعاد ذات طبيعة تربوية وسيكولوجية واجتماعية وتواصلية، وتوسيع هوامش الحرية وترسيخ قيم المواطنة، وجعل الاعلام من بين أولويات السياسات العمومية، وكذلك توفير البيئة الملائمة لتحقيق مصالحة الجمهور مع وسائل اعلام المطالب بتقديم الخدمة العمومية.
إن مواجهة هذه الظاهرة، تتطلب من كافة الفاعلين، هيئات رسمية ومؤسسات مدنية من جمعيات ومنظمات تربوية وثقافية وحقوقية، وإعلامية، استراتيجية وتعبئة شاملة، من خلال إيلاء المزيد من الاهتمام بما يروج من محتويات تواصلية سلبية في الفضاء الأزرق، والبحث وفق مقاربة تشاركية، عن السبل الناجعة والكفيلة بإيجاد بدائل عملية ومنها محتويات إيجابية لمواجهة ما يروج له من تفاهات لا علاقة لها بحرية التعبير والاتصال، بل تشكل في حقيقة الأمر تضييقا على هذه الحرية.
وغني عن التذكير بأن وسائل الاعلام، تضطلع بأدوار رئيسية في مجال التوعية بخطورة انتشار التفاهة والتضليل، التي لا أصبح لا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات نتيجة الإمكانيات التي تتيحها الثورة التكنولوجية التي ساهمت إيجابا في رفع احتكار المعلومات، وجسرت علاقات التفاعل بين شرائح المجتمع، وجعلتهم أكثر قربا - حيثما كانوا وأينما وجدوا- وتقاسما للأفكار والمعطيات والأخبار التي أصبحت في متناول الجميع، وحولت العالم الافتراضي الى فضاء حر للتعبير عن الرأي، وملاذا آمنا للهروب من سلطة الرقابة.
ومن جهة أخرى يتعين أن نضع في الاعتبار بأن التقنيات الحديثة للإعلام والاتصال، وإن كانت لم تضع حدا لعدم المساواة فيما يتعلق بالاستعمال وطرقه، كما لم تخفف من سوء التفاهم بين البشر، لكنها وفرت ولوجا، غير محدود الى المعارف، ورفعت من القدرة على التفاعل والتبادل والمشاركة.
وهكذا كان الصحفيون سابقا يعانون من ندرة المعلومات، ومن هنا كانوا السباقين الى المطالبة بالحق في الوصول الى المعلومات وبعدها بالحق في الحصول على المعلومات الذي مع توالى الأيام أصبح من حق الجميع، وتنص عليه مختلف الدساتير وتقره القوانين، وتزامن مع الانتقال من نظام ندرة المعلومات الى وفرتها أصبح معه من الصعوبة الفرز بين الصحيح والخاطئ والتحقق من مصداقيتها.
إن هذه التحولات العميقة التي يعرفها ميدان الاعلام والاتصال، تقتضى إيلاء المزيد من الاهتمام بالتكوين وإعادة تكوين الصحافيين والإعلاميين، والعمل على ملاءمة مضامين ومناهج التكوين الإعلامي والتواصلي بالمؤسسات والمعاهد المختصة مع هذه المتغيرات الجارية على المستوى الوطني والدولي، مع استحضار كذلك تحديات المرحلة الراهنة، مع تدارك النقص الحاصل في البحث العلمي في ميدان الاعلام الذي زادت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي من رهاناته.
لكن يظل المأمول استشراف الخيارات المستقبلية للتكوين والبحث، وفتح ورش التربية على وسائل الإعلام الذي يتعين ادراجها في المناهج التربوية وكمادة في المقررات الدراسية، وذلك منذ المرحلة الابتدائية، وتجاوز النظرة النمطية التي تعتبر أن اندماج المؤسسات التربوية ومدبري مؤسسات ومعاهد التكوين الصحفي في مجتمع الإعلام والمعرفة، بأنها ترفا فكريا وأمرا شكليا، في الوقت الذي يعد ذلك في البلدان المتطورة ضرورة حتمية في طريق التقدم .
لذا فقد آن الأوان لتتحمل وسائل الاعلام المهنية، مسؤوليتها ليس فقط في التحسيس والتوعية بخطورة انتشار التفاهة والتضليل، وتسليط الضوء على هذه الظاهرة، ولكن في أداء رسالتها النبيلة في الاخبار والتثقيف والترفيه، مع الاعتماد على الأجناس الصحفية التي ظهرت أهميتها في المرحلة الراهنة في طليعتها التحقيقات والاستقصاء، وذلك حتى يكون بالإمكان المساهمة الفعلية في التصدي للمحتويات الإعلامية المضللة وبناء وعي عام مستنير وتعزيز المناعة الفكرية للمجتمع.
تفاعل في برنامج "حديث الظهيرة" المباشر على أمواج الإذاعة الوطنية تعده وتقدمه الإعلامية نجمة العلمي