سمير شوقي: كأس أمم إفريقيا 2025.. بين عظمة القارة وانكساراتها

سمير شوقي: كأس أمم إفريقيا 2025.. بين عظمة القارة وانكساراتها سمير شوقي، رئيس مركز التفكير «أوميغا»

ما كان من المفترض أن يكون عرسًا إفريقيًا كبيرًا، تحوّل في النهاية إلى كابوس. فبعيدًا عن النتائج الرياضية، كانت هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا منتظَرة على مستوى التنظيم والبنية التحتية. وهو تحدٍّ نجح إلى حدٍّ كبير، لكنه لم يخلُ من خدوش شوّهت الصورة النهائية.
طيلة شهر كامل، حضرت أربعٌ وعشرونَ منتخبًا إفريقيًا، يرافقهم آلاف المشجعين والصحفيين، في موعد مع الحدث الرياضي الأهم في القارة. بطولة تابَعها العالم بأسره، وشكّلت اختبارًا حقيقيًا لقدرات قارةٍ كاملة على التنظيم واستضافة التظاهرات الكبرى.
بين نجاحٍ لوجستي غير مسبوق وانفلاتٍ انضباطي في المحطة الختامية، كشفت كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب عن الوجهين المتناقضين لكرة القدم الإفريقية. فبينما رفع المغرب مستوى التنظيم إلى معايير قريبة من كأس العالم، جاءت الجدلـيات التحكيمية لتُعكّر صفو هذا الإنجاز.

في هذا السياق، يحلّل سمير شوقي، رئيس مركز التفكير «أوميغا»، في مقال منشور بجريدة اقتصاد Économie، وهي أكبر مجلة اقتصادية في الكاميرون، تداعيات هذا الموعد الذي اعتُبر فرصةً ضائعة على صورة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، في وقتٍ يفرض فيه أفق 2030 مراجعةً مؤسساتيةً عميقة ومسؤولية جماعية.

 

تحدٍّ ناجح

أُقيمت المنافسة على تسعة ملاعب في ست مدن، إضافة إلى ملعبٍ تدريبي مخصّص لكل منتخب مشارك، في سابقة هي الأولى من نوعها في إفريقيا، وبجودة عالية لا تشوبها شائبة على مستوى البنية التحتية الرياضية. وإلى جانب ذلك، وبحكم مكانته كأول وجهة سياحية في إفريقيا، يتوفر المغرب على فنادق من الطراز العالمي، حيث استفادت جميع الوفود المشاركة من فنادق مخصّصة حصريًا لإقامتها، ناهيك عن شبكة طرق سيارة وقطار فائق السرعة بمواصفات عالمية.
وكان الرهان المطروح يتمثل في حجم الإقبال الجماهيري. وعلى هذا الصعيد، ساعد القرب الجغرافي من أوروبا وتوفر نحو عشرة مطارات دولية على تمكين الجاليات الإفريقية المقيمة في أوروبا من التنقل إلى المغرب في أفضل الظروف. والنتيجة: تحطيم الرقم القياسي للحضور الجماهيري، مع تسجيل 1.2 مليون متفرج.
وبحسب تقييم الصحافة الإفريقية والدولية، فإن هذه المعطيات مجتمعة وضعت البطولة في مصاف بطولات كأس العالم، وهو ما يُعد مصدر فخر للقارة الإفريقية. وعلى الصعيد المالي، حقق الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) أرباحًا قياسية، إذ ضاعف مداخيله مقارنة بكأس أمم إفريقيا 2023 التي أُقيمت في كوت ديفوار، لتصل إلى نحو 200 مليون دولار. كما ارتفع عدد الرعاة الرسميين من 16 إلى 23، وعدد القنوات الناقلة من 67 إلى 111، ما يجعل من هذه النسخة حدثًا ذا بُعد مالي غير مسبوق.

 

احتفالية مُفسَدة

رغم شبه الإجماع على جودة التنظيم ومستوى المنتوج الكروي، فإن هذه النسخة كانت، على نحوٍ لافت، هدفًا لحملات تشويه حتى قبل انطلاقها. فقد روّج البعض لنظرية مؤامرة مفادها أن كأس أمم إفريقيا 2025 ستُتوَّج فيها الدولة المضيفة باللقب، دون تقديم أي دليل يُذكر. ومع توالي المباريات، أصبح أي خطأ أو سهو تحكيمي يُفسَّر باعتباره مؤامرة ضد هذا المنتخب أو ذاك.
سوء نية واضح، تفاقم مع بلوغ الأدوار الإقصائية. وقد خلقت هذه الأجواء المشحونة توترًا ملحوظًا في الندوات الصحفية للمدربين، التي تحوّلت لدى البعض إلى منصّات للضغط على الحكّام، عبر اتهامات صريحة لا تستند إلى أي أدلة. وهنا أخفقت «الكاف» حين آثرت غضّ الطرف بدل حماية حكّامها، بل ولم تتحرّك حتى عندما وُجّهت إليها اتهامات مباشرة من بعض الوفود التي أُقصيت ميدانيًا، في غيابٍ واضح لروح اللعب النظيف.

وقد انعكس كل ذلك على أجواء المباراة النهائية، التي شابها التوتر بسبب تصريحات نارية أدلى بها مدرب المنتخب السنغالي، الذي بات فجأة ينتقد ظروف الإقامة، ومستوى الإجراءات الأمنية، وملاعب التداريب، وغيرها.
وزاد من حدّة المشهد توجيه اتهامات ذات إيحاءات سياسية مبطّنة، لتصل الأمور في يوم النهائي إلى شعار واحد: الفوز أو قلب العرس رأسًا على عقب. أما ما تلا ذلك، فقد تابعه العالم بأسره بذهول: انسحاب المنتخب السنغالي، بالتزامن مع اندلاع أعمال عنف خطيرة تورّط فيها بعض المشجعين السنغاليين. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد هناك مكان لكرة القدم.

 

دروس للتاريخ

أمام هذا المشهد الفوضوي، أثبتت إفريقيا – للأسف – مجددًا لماذا يُعدّ الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) الهيئة القارية الوحيدة في العالم الموضوعة تحت وصاية الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). فقد أضاع الأفارقة فرصة ثمينة لإظهار أن القارة باتت قادرة على تنظيم أرقى التظاهرات الرياضية الدولية. لقد أطلقنا النار على أقدامنا مرارًا بسبب حسابات سياسية ضيّقة وموجّهة، سقط فيها البعض دون تروٍّ.
ولم تمر سوى ثلاثة أيام حتى خرج رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم ليصبّ جام غضبه على القارة الإفريقية، معلنًا – من جانب واحد – أنه، بالنظر إلى الأحداث التي شهدها نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، فإن نهائي كأس العالم 2030 سيُقام في إسبانيا! وذلك رغم أن مثل هذا القرار يدخل حصريًا ضمن صلاحيات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
وهو ما اعتُبر صفعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم وللقارة بأكملها. كما أن المدرب السابق أرسين فينغر، المستشار الحالي لدى «فيفا»، أطلق بدوره عبارة ذات دلالة عميقة حين قال:
«تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 لا يقل جودة عن آخر نسخة لكأس العالم في قطر 2022، لكنني لا أفهم لماذا يصرّ الأفارقة على التقليل من شأن أنفسهم».

 

أما المغرب، فليس سرًا أن كرة القدم تُشكّل رافعة أساسية لقوته الناعمة، ضمن مشروع متوسط وبعيد المدى، لا تُعدّ كأس أمم إفريقيا سوى حلقة واحدة في سلسلة متكاملة. مشروع بدأ يؤتي ثماره بالفعل:
بطل العالم لأقل من 20 سنة قبل ثلاثة أشهر،
بطل كأس العرب 2025،
بطل بطولة «الشان» 2025،
ميدالية برونزية أولمبية 2024،
فضلًا عن الألقاب القارية في الفئات السنية و الكرة النسوية و كرة القدم في القاعة … و تستمر المسيرة.