فطيمة فوزي
تعُدّ الهجرة في الزمن الراهن إحدى أكثر الظواهر كَشفاً لاختلالات النظام العالمي، ليس فقط باعتبارها حركة بشرية عابرة للحدود، بل بوصفها نتيجة مباشرة لبنيات اقتصادية وسياسية غير عادلة، أعادت إنتاج الفقر، والتفاوت، وهشاشة العمل، وقيدّت في الآن ذاته حرية الإنسان في التنقل والعيش الكريم. في هذا السياق، لم تعد الهجرة قضية إنسانية تعُالَج بالخطاب الأخلاقي، ولا ملفاً ديموغرافياً يخُتزل في الأرقام، بل مسألة سياسية–اجتماعية بامتياز، تكشف التناقض الصارخ بين عالم يحُرّر حركة رأس المال، ويجُرّم حركة البشر.
في هذا السياق، يحتل المغرب موقعاً مركّباً داخل منظومة الهجرة الدولية، باعتباره بلد منشأ وعبور واستقبال في آنٍ واحد، وفاعلاً منخرطًا في شراكات إقليمية ودولية تغُلَِّبّ المقاربة الأمنية على المقاربة الحقوقية. وقد انعكس هذا الموقع على أوضاع العمال والعاملات المهاجرين/ات داخل سوق الشغل، حيث تتقاطع هشاشة الوضعية القانونية مع ضعف الحماية الاجتماعية، واتساع العمل غير المهيكل، والتمييز في الولوج إلى الحقوق الأساسية. وبالتالي، تصبح الهجرة مدخلاً لفهم اختلالات السياسات العمومية في مجال التشغيل، والحماية الاجتماعية، وا لعدالة المجالية.
وبالتالي، فإن المقاربة النقابية لقضية الهجرة لا يمكن أن تنطلق من منطق الإحسان أو التدبير الظرفي، بل من اعتبار المهاجر/ة جزءًا لا يتجزأ من الطبقة العاملة، يخضع لنفس علاقات الاستغلال، ويُقصى في الآن ذاته من آليات الحماية والتمثيل. إن هذا الإقصاء لا يضُعف فقط أوضاع المهاجرين/ات، بل يُقوّض أسس التضامن العمالي، ويسُتعمل كآلية غير معلنة لإعادة ضبط سوق الشغل، والضغط على الأجور، وتطبيع الهشاشة .
في هذا السياق أيضًا، تعرف سياسات الهجرة تحوّلاً نوعياً مع تصاعد استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في المراقبة، والتصنيف، والتتبع، واتخاذ القرار. فلم تعد الهجرة تدُار فقط عبر القوانين والحدود، بل عبر الخوارزميات وقواعد البيانات، حيث يتحول الإنسان المهاجر إلى معطى رقمي يُقيمَّ وفق منطق المخاطر، لا وفق منطق الحقوق. ورغم ما تتيحه هذه الأدوات من إمكانيات تقنية كبيرة، فإن استعمالها يظل انتقائياً، يخدم أولويات الضبط والأمن أكثر مما يخدم الحق في الحقيقة والكرامة الإنسانية .
الهجرة، العمل، والهشاشة في السياق المغرب
في هذا السياق، تتجلّى أوضاع العمال والعاملات المهاجرين/ات في المغرب كمرآة لهشاشة سوق الشغل ككل.
فالمهاجرون/ات يتركزون في قطاعات منخفضة الأجر، ضعيفة التنظيم النقابي، عالية المخاطر، مثل الفلاحة، والبناء، والخدمات، والعمل المنزلي. وغالباً ما تتقاطع أوضاعهم مع غياب العقود، وانعدام التغطية الاجتماعية، والخوف الدائم من التوقيف أو الترحيل .
وبالتالي، فإن إقصاء المهاجرين/ات من منظومة الحقوق لا يعُد مسألة قانونية فقط، بل خيارًا سياسياً غير معلن، يسُهم في إعادة إنتاج اقتصاد الهشاشة، ويضُعف قدرة النقابات على الدفاع عن شروط عمل عادلة للجميع. ومن هنا، تصبح الهجرة قضية نقابية بامتياز، تتطلب إدماجًا فعلياً للعمال المهاجرين داخل التنظيم النقابي، ليس كفئة هامشية، بل كجزء من النضال الاجتماعي المشترك .
الذكاء الاصطناعي: من أداة تقنية إلى أداة سياسية
في هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كفاعل جديد في تدبير الهجرة. فمن مراقبة الحدود، إلى تحليل البيانات البيومترية، إلى إدارة طلبات اللجوء، وصولاً إلى التعامل مع جثث المهاجرين والمفقودين، أصبحت الخوارزميات جزءًا من منظومة اتخاذ القرار .
نظرياً، يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانيات كبيرة: تحديد الهويات، ربط قواعد البيانات، تسريع الوصول إلى المعلومة، وتمكين العائلات من معرفة مصير أبنائها. غير أن الواقع يكشف مفارقة خطيرة: التكنولوجيا متوفرة، لكن الإرادة
السياسية انتقائية. إذ يُستثمر الذكاء الاصطناعي بكفاءة عالية في المنع والمراقبة، بينما يتراجع دوره عندما يتعلق الأمر بكشف الحقيقة، أو مساءلة المسؤوليات، أو إنصاف العائلات .
الحق في الحقيقة: العائلات في مواجهة الصمت الخوارزمي
في هذا السياق، يطرح تدبير الهجرة عبر الذكاء الاصطناعي سؤال الحق في الحقيقة، خصوصًا بالنسبة لعائلات المهاجرين والمهاجرات المفقودين/ات. فغياب المعلومة لا يعُد عجزًا تقنياً، بل قرارًا سياسياً يُفاقم المعاناة، ويحُوّل الفقد إلى جرح مفتوح بلا اعتراف.
وبالتالي، يصبح الذكاء الاصطناعي مجالاً للصراع الحقوقي: إما أن يسُتعمل كأداة للعدالة، أو يتحول إلى جزء من سياسة الصمت، وإدارة الموت، وتطبيع الغياب .
المسؤولية الأوروبية وإعادة توطين الحدود
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل المسؤولية المباشرة للاتحاد الأوروبي في إنتاج شروط الهجرة، وفي نقل حدوده إلى بلدان الجنوب عبر الشراكات الأمنية، وتصدير تكنولوجيا المراقبة. فهذه السياسات تحُوّل بلدان العبور والاستقبال إلى فضاءات عازلة، تتحمّل الكلفة الإنسانية وا لاجتماعية، دون تمكينها من أدوات حقيقية للإدماج والحماية .
وبالتالي، فإن الحديث عن “تقاسم الأعباء” يظل خطاباً فارغًا ما لم يُقترن بالحق في الحقيقة، وبضمان الحقوق الاجتماعية والعمالية، وبمساءلة السياسات التي تنُتج الهجرة بدل الاكتفاء بإدارتها.
وأخيرًا، فإن دمج الهجرة بسؤال الذكاء الاصطناعي ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة سياسية ونقابية في زمن تدُار فيه حركة البشر عبر أدوات رقمية غير خاضعة للمساءلة الديمقراطية. إن الهجرة اليوم تقع عند تقاطع الرأسمال، والعمل، والحدود، والتكنولوجيا، وأي مقاربة لا تضع هذا التقاطع في قلب التحليل، تظل قاصرة.